الخميس، 6 سبتمبر 2012

لا يا ماركيز


لا يا ماركيز لا تقل وداعا فأنت باق فينا أبد الدهر

بقلم : بدرالدين حسن علي

هذا الرجل يسحرني منذ أن قرأت له روايته " مائة عام من العزلة " وقرأتها ثانية وسرعان ما أصبحت عاشقا له ، أبحث عن رواياته في كل أركان الدنيا ، أسأل عنها بلهفة شديدة ، وحسنا أن جميع رواياته ترجمت إلى العربية ولولا ذلك لسافرت إلى كولومبيا لأتعرف عليه ! ثم قرأت له روايته الثانية " خريف البطريرك " ، كنت يومها في كوبا ، صديقي السوداني الكوبي أيضا يحب ماركيز واتفقنا أن نسافر معا إلى كولومبيا ولكن زوجته الكوبية كانت على وشك الوضوع فألغينا سفرنا ، ولكن إستبدلت ذلك بقراءة " موت معلن " ، حملتها معي في الطائرة عائدا إلى القاهرة .

في القاهرة وفي الموسكي تحديدا حيث إعتدت شراء كتبي وجدت روايته " الحب في زمن الكوليرا " أسرعت بها إلى داري غير مصدق لأمضغها واسترطها وأعيد قراءتها، وبعد أيام قليلة يهديني صديقي رأفت سعيد بعدما عرف جنوني به روايته " الجنرال في متاهة " ، أنهيت قرائتها بتركيز شديد فأدركت واقتنعت تماما كم هو عظيم هذا الماركيز ، ثم ذبت عشقا فيه عندما عثرت على روايته " ذكرياتي مع عاهراتي الحزينات " ، قتلني بأسلوبه الرائع الجميل الصادق وقلت لصديقي رأفت هذا كاتب لن يتكرر ، ذلك لأن اسلوبه لم يختلف منذ أن قرأت له " مائة عام من العزلة " .

وتوالت أعماله الروائية التي عكفت على قراءتها باهتمام شديد ، فكانت روايته العظيمة الرائعة " لا أحد يكاتب الكولونيل " و " مأتم الأم العظيمة " التي ذكرتني بأول رواية قرأتها في حياتي وهي رواية مكسيم جوركي " الأم شجاعة " خاصة وأن ماركيز أشار إليها في أحد حواراته الصحفية ، قرأت أيضا روايته " في ساعة نحس " و " أشباح أغسطس " وسرعان ما أمسكت بالقلم وكتبت دراسة مطولة عن جابريل خوسيه غارسيا ماركيز ، ونشرتها في عدة صحف سودانية وعربية ، وما زلت أعتز بهذه الدراسة كثيرا ، خاصة وأن خالي الفكي عبد الرحمن بعد أن إطلع عليها قال لي في إحدى محادثاتي الهاتفية : أصدقاؤك في المسرح يسمونك " بدر بريخت " وأنا أسميك " الماركيز " .

ولكن ماركيز الآن في عامه ال 84 ملازما سرير المرض تصدر عنه تصريحات بعد الحين والآخر يعبر فيها عن دنو أجله ومفارقته لهذه الدنيا ، وعندما أقرأ تصريحاته هذه أتذكر الكاتب المسرحي الرائع أليخاندرو كاسونا وعبارة " الأشجار تموت واقفة " فيمتلكني رعب وحزن وأسى ويمر بي شريط طويل لأفذاذ فقدناهم تباعا ، منهم من مات " شجرة واقفة " ومنهم من مات " فطيسة " ولهذا دائما ما أقول يا رب حسن الختام !!

آخر ما قرأت له رسالة وداع كما وصفها البعض ، لأنه قال فيها لزوجته مرسيدس : لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراك فيها لضممتك بشدة بين ذراعي وتضرعت إلى الله أن يجعلني حارسا لروحك .

إنفجرت باكيا ، ما أعظمك يا ماركيز ، ما أروعك يا ملك ، قال في ختام رسالته " تعلمت منكم ، تعلمت منكم أشياء كثيرة ، لكنها عندما توضب بحقيبتي أكون غادرت الحياة "

لا يا ماركيز مثلك لا يغادر ، ستظل محفورا في ذاكرتنا أبد الدهر ، ليس " مائة " عام فقط بل مئات ومئات الأعوام !!!!!





فكرة للحوار


تاج السر عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 3840 - 2012 / 9 / 4 - 00:03

المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



فكرة للحوار

بقلم : بدرالدين حسن علي

اليوم الحوار هو سيد الساحة ، النقد والنقد الذاتي سيد الساحة ، بدون حوار ، بدون الرأي والرأي الآخر لن نصل لشيء ، الخوف من الحوار هو جهل وهروب من الواقع ، هو تغييب وتغبيش ، هو سخرية وإذلال للآخرين ، الذين ليسوا هم الجحيم ، لقد ولى زمن هتلر وموسولوني وستالين ، وبقيت الحقيقة الساطعة : الرأي والرأي الآخر ، بقيت أهمية إحترام الرأي .

المناقشة الهادئة هو طريقنا للإصلاح ، لا تنظر خلفك في غضب ولا أمامك في خوف بل أنظر حولك بوعي وإدراك ، الوعي والثقافة والحوار أدوات ضرورية جدا للإصلاح ، لا تنظر للآخر على أنه حذاء ، أنظر إليه بإحترام وتحاور معه .

جاءني هذا المقال في بريدي ، لم أسأل نفسي من أين جاء ، ولم أسأل نفسي من هو كاتبه ، المهم تعاملت مع الأمر باعتباره فكرة مطروحة للحوار ، وأصلا " النت " يقوم على فكرة الحرية والحوار ، أقصد الحوار المتمدن .

حسنا دعونا ا نطرح الفكرة ثم نتحاور ، عندما تطرح الفكرة على " النت " ستصل للناس ، هكذا نكون قد بدأنا البداية الصحيحة ، يجب ألأنخاف من الكلمة ، علينا مواجهتها بشجاعة وبقوة وصولا للهدف النبيل ، ففي النهاية نحن لسنا غنم !!!!

* يبدو أن حركات الاسلام السياسي في مصر وتونس تسير علي الطريق نفسه في التلون باشكال مختلفة حسب متطلبات كل مرحلة، كما حدث في السودان، فبعد أن بشر حزب "الحرية والعدالة" في مصر الذي تكون كجناح سياسي لحركة "الأخوان المسلمين" بمباركة امريكية ببرنامج " مشروع النهضة" وبعد تجربة اكثر من 3 شهور لوصول مرسي لمنصب رئيس الجمهورية ، يصرح خيرت الشاطر القيادي بحركة الأخوان المسلمين بأنه "لايوجد برنامج واضح ومحدد للنهضة". وبعد أن اعترض "الأخوان المسلمون" في مجلس الشعب السابق علي قرض من صندوق النقد الدولي بفوائد ربوية، يعودون الان ليقبلوا بقرض الصندوق الأخير بفوائده والذي يقدر ب 4,8 مليار دولار، ويجيزون القروض الربوية بمنهج "الضرورات تبيح المحظورات"، وتواجههم مشاكل العطالة وتوفير احتياجات الجماهير الأساسية في التعليم والصحة والخدمات ..الخ ويعجزون عن حلها. كما دار جدل في الكونغرس الأمريكي احتجاجا علي دعم الرئيس اوباما حملة مرسي الانتخابية بمبلغ 50 مليون دولار. وبالتالي يسيرون في طريق التنمية الرأسمالية نفسه الذي كان سائرا فيه نظام مبارك والذي قاد الي الأزمة التي فجرت الثورةالمصرية.

* معلوم أن حركات الاسلام السياسي هي: التيارات الاصولية الارهابية التي رفعت شعار الاسلام لخدمة أهداف سياسية واقتصادية طبقية وثقافية، أي غطاءا ايديولوجيا لتلك الأهداف والمصالح، وعبثا حاولت تلك الحركات أن ترجعنا لمربع الدولة الدينية التي تجاوزها التاريخ، ورفعت شعار (الحاكمية لله). ومن المهم التمييز بين الدين والسياسة ، باعتبار أن الاعمال السياسية هي أعمال بشر ليسوا معصومين ولامقدسين ولامعينون من الله ، وأن مقولة (الحاكمية لله ) لاعلاقة لها بالاسلام ، وهي فكرة نشأت في الحضارات القديمة التي كانت تحكم بالحق الالهي مثل: مصر القديمة حيث كان الفرعون صورة الله في الارض( حشر ونادي وقال أنا ربكم الأعلي)، وفي اوربا القرون الوسطي كان الحاكم (ظل الله في الأرض) وله حق مقدس في الحكم ، وأحكامه تصدر تبعا للعناية الالهية. ومع اشتداد حدة الصراع من أجل الديمقراطية والحريات والحقوق الأساسية، حاولت تلك الحركات تغيير جلدها دون تغيير جوهرها المعادي للديمقراطية والسعي للهيمنة الشاملة علي المجتمع باسم الدين، كما يحدث الآن في مصر وتونس.

*رفعت حركات الاسلام السياسي الشعارات المبهمة التي لاتغني ولاتسمن من جوع مثل: "الاسلام هو الحل" ، اذ ما معني أن الاسلام هو الحل؟ ، وحل لماذا؟، والشعارت المضللة حول "العلمانية" باعتبارها كفر ورذيلة ودعوة للتحلل الخلقي والالحاد ومؤامرة صهيونية ضد الاسلام.. الخ، في حين أن "العلمانية" هي دعوة لأن تكون السياسة ممارسة بشرية تقبل الخطأ والصواب ، بدون قداسة وحكم زائف باسم السماء، وأن العلمانية لاتعني استبعاد الدين من حياة المواطنين، فما علاقة ذلك بالالحاد والتحلل الخلقي والمؤامرة الصهيونية...الخ؟؟؟!!!!

- الفرية الثانية في شعارات حركة الاسلام السياسي هي الدعاية المضللة ضد "الشيوعية" وتصويرها بأنها كفر والحاد ودعوة للرذيلة وغير ذلك من الاوصاف التي لايقبلها العقل والفكر السياسي الحديث، في حين أن "الشيوعية" دعوة لاقامة مجتمع خالي من كل أشكال الاستغلال الطبقي والعنصري والديني والاثني والجنسي ، وتحقيق الفرد الحر باعتباره الشرط لتطور المجموع الحر، فما علاقة ذلك بالكفر والرذيلة والتحلل الأخلاقي ..الخ؟!!!.

* ومثلما أعلن خيرت الشاطر أنهم في مصر " لايملكون أي برنامج واضح ومحدد للنهضة " ، كذلك لم تبذل حركة الاسلام السياسي جهدا معتبرا في دراسة واقع السودان وتركيبته الاجتماعية والاقتصادية وتطوره التاريخي، ولم تقدم رؤية منتجة وفعّالة لحل مشكلة الأقليات في السودان، وقضايا الاصلاح الزراعي والصناعي والتعليم والصحة ..الخ، وعندما وصلت تلك الحركة للسلطة لم تفعل شيئا سوي أنها تبنت سياسة الاقتصاد الحر في ابشع صوره، وخصخصة القطاع العام، و" روشتة " صندوق النقد الدولي بسحب الدعم عن التعليم والصحة والخدمات والسلع الأساسية، وهي سياسات افقرت الشعب السوداني بحيث اصبح 95% منه يعيش تحت خط الفقر، وبلغت ديون البلاد 40 مليار دولار، وتم تخصيص 75% من الميزانية للأمن والقطاع السيادي، فاي اسلام هذا؟! كما دمرت هذه السياسات القطاع العام عن طريق الخصخصة ببيع مرافق السكة الحديد ومشروع الجزيرة والنقل النهري..الخ. وحتي انفصال جنوب السودان، لم يتم تخصيص جزء من عائدات النفط لدعم الزراعة والصناعة والتعليم والصحة والخدمات، كما تم تدمير الخدمة المدنية من خلال تشريد الالاف من الكوادر المؤهلة والمدربة لاهداف سياسية، كما تم ادخال نظام التعذيب الوحشي حتي الموت للمعتقلين السياسيين، كما عمّق التفرقة العنصرية ومزق وحدة البلاد وفرط في سيادتها الوطنية( احتلال حلايب من قبل مصر، وأجزاء من شرق وجنوب شرق السودان بواسطة اثيوبيا وكينيا..)، وتم انفصال جنوب السودان ، اضافة لتعميق مشكلة دارفور والتي اصبحت مأساة حقيقية جعلت رئيس النظام مطلوبا أمام محكمة الجنايات الدولية.اضافة لانفجار الأوضاع في جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وابيي وشرق السودان.

كل ذلك يوضح مدي تخبط هذه الحركة التي ذابت داخل السلطة، ونشأت من صلبها مجموعة رأسمالية طفيلية اسلاموية فاسدة حتي نخاع العظم، وتناسلت وتكاثرت داخل تلك البحيرة الراكدة التنظيمات السلفية الارهابية التي تكفر الجميع.

- لم تقدم الحركة نموذجا للتنمية والديمقراطية يحتذي بها رغم وجودها في السلطة لأكثر من 23 عاما ، وحتي الصيغ الاسلامية التي قدمتها كانت فاشلة مثل نظم: البنوك الاسلامية( زيادة الربا) ، ورجعت في النهاية الي القروض الربوية بحجة فقه الضرورة!!، ونظام السلم، والزكاة، ولم تسهم تلك النظم في التنمية وخلق نظام اجتماعي عادل. اضافة الي التحالف مع امريكا في الحرب الباردة ضد الشيوعية والمعسكر الاشتراكي ، وتدريب اغلب كوادر التنظيم العلمي في امريكا.

*تكرار تجارب "الفاشية" و"النازية" باسم الاسلام ، ويتضح ذلك في بداية انقلاب الاسلاميين ( وحتي الآن) عتدما استخدموا ابشع اساليب الاعتقالات والتعذيب الوحشي وتشريد الالاف من اعمالهم ومحاولة محو التاريخ السوداني من الذاكرة السودانية وفرض مناهج للتعليم تكرس لايديولوجية التنظيم الاحادية وضيق الافق، وفرض الدستور المزيف باسم الاسلام، وتضخيم الاجهزة الأمنية وزيادة ميزانيتها لتصل الي اكثر من 75% من الميزانية العامة وتقليل ميزانيتي التعليم والصحة، والصرف الضخم علي جهاز الدولة والاعلام المتضخم وارتباط الحزب بالدولة ، والسيطرة علي النقابات وربطها بالدولة عن طريق مايسمي ب "نقابة المنشأة " وتزوير انتخابات نقابات العاملين والمهنيين واتحادات الطلاب والانتخابات العامة وصرف من لايخشي الفقر علي تلك المهازل المسماة زورا انتخابات، اضافة لتوسيع قاعدة القمع بذرائع ايديولوجية والمضايقات الشخصية للمواطنين واصحاب الديانات المسيحية وكريم المعتقدات عن طريق مايسمي بقوانين النظام العام، اضافة الي الغاء ونفي الآخر، وتحويل حرب الجنوب في بداية انقلاب الانقاذ الي حرب دينية.

خلاصة الأمر يتضح لنا فشل تجربة الاسلام السياسي في السودان ومدي الخراب والدمار الذي الحقته بالبلاد من تدمير للاقتصاد والاخلاق والمجتمع والتفريط في السيادة الوطنية وتمزيق وحدة البلاد.

عزيزي تاج السر

أنا أحترم رأيك هذا جدا ، وما من شك أنك كتبته بشجاعة شديدة ، واستخدمت فيه كلمات رصينة ، وهو رأي أو لنقل فكرة تستحق الحوار ، ولهذا أبدأ بطرح الفكرة ثم نبدأ الحوار حتى لا تصبح الكتابة مجر فعل لا قيمة له .

badreldinali@hotmail.com







بمناسبة الثالث والخامس من سبتمبر - السودان




بمناسبة الثالث والخامس من سبتمبر

الذكريات العطرة مع الحركة النقابية السودانية والعربية

بقلم : بدرالدين حسن علي

قلنا أن فكرة " يوم العمال " بدأت في أستراليا عام 1956 ، ويحتفل بيوم العمال في كندا في الثالث من سبتمبر وأوضحنا كيف تم ذلك ، وفي أمريكا في الخامس من سبتمبر وشرحنا لماذا ؟ وفي شرق أوربا والإتحاد السوفيتي سابقا والإتحاد الدولي لنقابات العمال العرب وأمينه العام الحالي معتوق رجب ، وأن الإتحاد يكمل عامه ال " 56 " – 1956- 2012 ، والإتحاد النقابي الدولي – إفريقيا – Africa CSI وفي جميعها يتم الإحتفال بيوم العمال في الأول من مايو .

وعلى الرغم من التغيرات الكبيرة التي حدثت عالميا وخاصة في العلاقة بين العالمين الرأسمالي والإشتراكي إلا أن عيد العمال العالمي ظل معلما مضيئا في تاريخ العالم ، رغم محاولات التغييب والتعتيم الإعلامي المضروب حوله ، ومن سخرية القدر أن اليوم الذي يليه يصادف اليوم العالمي لحرية الصحافة ، ومنذ أولى إجتماعات منظمة التجارة الدولية في مدينة سياتل الأمريكية ظل العالم يشهد تناميا مضطردا يزداد عنفوانا وقوة عاما بعد عام لحركة مناهضة العولمة ، وعلى نفس الوتيرة جرت مظاهرات في كل أنحاء الكرة الأرضية ، شاهناها هنا في كندا وفي أمريكا وبريطانيا وفرنسا واستراليا ، وشاهنا كيف تم إستنفار الشرطة التي قانت بإعتقال عشرات الناشطين العماليين .

لقد تركزت مطالب كل المظاهرات والمسيرات العمالية التي شملت مختلف بقاع العالم في مراجعة سياسة الخصخصة وآثارها السلبية ورفع الحد الأدنى للأجور وتحسين شروط التأمين والخدمات الإجتماعية وتحديد ساعات العمل وإطلاق الحريات العامة والنقابية على وجه الخصوص .

إتحاد عمال السودان

بدأ النشاط العمالي في تاريخ السودان الحديث مناهضة للمستعمر عام 1908 ، بأول إضراب لعمال مناشير الغابات " ويكيبيديا " للمطالبة بتحسين بيئة العمل وظروفه ، ثم تدرج ذلك النشاط ليدخل المقاهي العامة في الأسواق لمناقشة قضايا العمال ، وبدأ الضغط على الإستعمار البريطاني لتتم الإستجابة لقيام أندية العمال في مدن الخرطوم الثلاث عام 1934 ، وتوالت بعد ذلك في كل المدن العمالية بالسودان وأصبح لها دور تثقيفي وتدريبي وسياسي في مناهضة الإستعمار من خلال المظالبة بقيام التنظيمات النقابية وانتشار الصحف الحائطية والمسارح العمالية ، وقد صدرت أول مجلة عمالية عام 1946 باسم " العامل السوداني " .

في العام 1947 كانت الشرارة الأولى لقيام التنظيمات النقابية في شكلها الحديث بهيئة شؤون العمال بالسكة حديد ، وبعدها تبلورت الفكرة ويتم الضغط على المستعمر ليعترف ويستجيب لحق التنظيم النقابي ويصدر أول قانون للعمل والعمال في عام 1948 ، وبذلك إكتسبت الحركة النقابية السودانية شرعيتها واستمدت قوتها ليقوم أول مؤتمر عمالي في 18/5/1949 ، حيث أجاز دستور نقابات العمال وتوج ذلك بقيام الإتحاد العام لنقابات عمال السودان في نوفمبر 1950 ، ويتم تشكيل مكتبه التنفيذي من " 25 " عضوا برئاسة محمد سيد سلام كأول رئيس للإتحاد من مصلحة النقل الميكانيكي ، ليستمر العمل بهذا القانون حتى عام 1960 .

منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم جرت الكثير من الأحداث ، اليوم هناك إتحادان أحدهما في السودان برئاسة البروفيسو إبراهيم غندور والثاني إتحاد عمال السودان المعارض وسكرتيره صديق يحي ، وللذكرى فقط ولجيلنا اليوم فإن الحركة النقابية السودانية أنجبت قيادات أمثال سليمان موسى ، قاسم أمين والشفيع أحمد الشيخ ، وأرست تقاليد العمل النقابي الصحيحة والراسخة المتجسدة في إسقلالية وديمقراطية الحركة النقابية ، وقدمت على ذات الطريق لفيف من الشهداء : علي فضل ، محمد حاج الأمين ، علي الماحي السخي ، محجوب سيداحمد وزملائهم بمختلف توجهاتهم .

الحركة النقابية الكويتية

عشت كما قلت سابقا " 12 "عاما في قلب الحركة النقابية الكويتية والثقافة العمالية ، وأعرف مئات المئات من القيادات النقابية والعمال والموظفين الكويتيين ، يكفي فقط إشرافي على نحو " 200 " دورة تثقيفية لعدد حضور نحو " 30 " موظفا وعاملا ، الكويت بلد صغير الحجم ولكنه سبق الدول المجاورة في السماح بقيام التنظيم النقابي من خلال دستورها وقوانين العمل ومن هنا إكتسبت الركة النقابية المعرفة والخبرة منذ تأسيسها في ستينات القرن الماضي ، ووضع مؤسسوها الأوائل القواعد والنظم التي تضمن استقلاليته وقوتها أمثال : ناصر الفرج ، حسين اليوحه ، أحمد سعيد الأصبحي ، محمد العصيمي ، مليحان الحربي ، راشد الحجيلان ، عبد الرازق الجاسم ، عويضة الماتع ، عبد الله البكر ، حمد صويان ، علي مهدي ، سالم المري ، محمد سلطان ، ثابت الهارون ، هايف عصام وأسماء يضيق المجال لذكرها .

ورغم كل هذا فالأول من مايو ما يزال لا يعترف به كعطلة رسمية على الرغم من إنعقاد 16 مؤتمر عام للإتحاد العام لعمال الكويت

ما أوردته أعلاه جزء ضئيل جدا مما تحمله الذاكرة العطرة لسنوات الكويت

بمناسبة الثالث والخامس من سبتمبر - القاهرة




بمناسبة الثالث والخامس من سبتمبر

الذكريات العطرة عن النقابات والثقافة العمالية

بقلم بدرالدين حسن علي

بعد الغزو العراقي للكويت إتجهت لمصر ، قطعنا مشوار الألف كيلو متر حتى ميناء العقبة بالأردن ، ومنها بالباخرة إلى نويبع ، كانت معي وثيقة سفر إضطرارية تخولني لدخول مصر والسودان ، جواز سفري كنت قد أرسلته للتجديد في إحدى الدول الأوربية ، وبعد مماحكات مع جهاز الأمن المصري تحركنا نحو القاهرة ، ومرة أخرى مشوار الألف كيلو متر حتى عين شمس والتقيت بأسرتي وتنفست الصعداء ، ولكن القدر كان يخبيء لي شيئا آخر ، كان بعض قيادات إتحاد عمال الكويت في القاهرة ، كانوا يسألون زوجتي عني ، إتصلت بهم ، طلبوا حضوري فورا ، وفي اليوم التالي كنت المدير الإداري لإتحاد عمال الكويت في القاهرة وسكرتير تحرير مجلة العامل .

هذه الأيام تمر ذكر ى 3 سبتمبر الإحتفال السنوي للعمال الذي يقام في العديد من بلدان العالم ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وكندا وعواصم الدول الغربية ، وهو أيضا يوم عطلة رسمية في العديد من الدول ، ولكن في المنطقة العربية وشرق أوربا وبعض بلدان إفريقيا لا يعترف بيوم 3 سمبتمبر بل بالأول من مايو .

ويأتي أصل الإحتفال بهذا اليوم من كندا ، حيث النزاعات العمالية وحركة " التسع ساعات " في هاميلتون ثم في تورنتو عام 1870 ، مما أدى لظهور قانون الإتحاد التجاري ، الذي أضفى الصفة القانونية وقام بحماية نشاط الإتحاد في عام 1872 في كندا ، وتمت المسيرات كدعم لحركة التسع ساعات ، كما أن إضراب عمال الطباعة أدى إلى الإحتفال السنوي في كندا ، وفي عام 1882 شهد زعيم العمال الأمريكي بيتر ماكغواير إحدى الإحتفالات بعيد العمال في تورنتو ، وإستلهاما من أحداث الإحتفالات الكندية في تورنتو فقد عاد إلى نيويورك ليقوم بتنظيم عيد للعمال يحتفل به في الخامس من سبتمبر من كل عام " ويكيبيديا " .

وما من شك أن ثمة تغيرات كثيرة قد حدثت عالميا جعلت الإحتفال بعيد العمال سواء في الثالث من سبتمبر أو الخامس منه أو الأول من مايو مجرد إحتفاء عاطفي خال من ذلك الألق القديم ، ففي شرق أوربا إنهار الإتحاد السوفيتي ، وحدثت تغيرات هائلة في دول شرق أوربا ، وفي عدد من البلدان العربية والإفريقية ، وثمة أيضا حدثت تغيرات في أمريكا وبريطانيا وعدد من بلدان غرب أوربا .

ففي أمريكا مثلا كان أول عيد للعمال تم الإحتفال به في الخامس من سبتمبر عام 1882 في مدينة نيويورك ، وفي أعقاب وفاة عدد من العمال على أيدي الجيش الأمريكي عام 1894 تم تشريع قانون عيد العمال وجعله عطلة وطنية ، وبهذه المناسبة نتذكر كيف أن أفراد شرطة شيكاغو أطلقوا النار على عدد من العمال أثناء إضرابهم مطالبين بحد أقصى لعدد ساعات اليوم لا يزيد عن ثماني ساعات ، وراح ضحية تلك الحادثة العشرات من العمال وقامت الخمسون ولاية أمريكية بالإحتفال بعيد العمال في الخامس من سبتمبر وجعله عطلة رسمية .

ونواصل

Badreldinali @hotmail.com





.

بمناسبة الثالث والخامس من سبتمبر


بمناسبة الثالث والخامس من سبتمبر

حديث الذكريات العطرة عن العمال والثقافة العمالية

بقلم : بدرالدين حسن علي



في ذات يوم من الأيام وتحديدا صبيحة الأول من مايو عام 1973 ، كنت خارجا من دارنا بكامل هندامي ، ناداني والدي " رحمة الله عليه " وسألني إلى أين ؟ فأجبته : إلى دار إتحاد عمال السودان فاليوم هو العيد العالمي للعمال ، قال لي بما معناه أن الله رفع درجة العمل إلى مرتبة العبادة وقرنه بالإيمان في كثير من الآيات ، جاء " البص " فانطلقت نحو هدفي .

في " البص " كنت أطالع كتيبا صغيرا عن الأول من مايو – معناه –مضمونه – أهدافه ، ولأني كنت مفتونا بالقراءة فقد طالعته بشغف شديد ، تذكرت اليوم ذلك الكتاب صغير الحجم ، وتذكرت الحفل المتواضع الذي أقيم بدار إتحاد عمال السودان إحتفاء بالأول من مايو .

الكتاب كان يتناول تاريخ الأول من مايو منذ عصر النهضة الصناعية في أوربا وما تعرض له العمال ، وكيف أنهم رفعوا لواء الدفاع عنهم ، وكيف طالبوا بتحسين ظروف العمل ، وكيف تمخض عن تلك التحركات والمطالب ظهور عدد من الهيئات والجمعيات والنقابات العمالية " بالمناسبة أصبح هذا منهج دراسي كامل في معهد جورجي ديمتروف في بلغاريا والذي درسته بالكامل " وأدى ذلك النشاط إلى جعل الأول من مايو ذكرى تستعاد كل عام ، وما لبث أن أعتبر يوما للعمال يحتفى به في كل أنحاء العالم بهدف لفت الأنظار إلى دور العمال ومكانتهم ومعاناتهم والعمل على تأمين متطلبات عيش كريم لهم .

المسرح العمالي

وبعد خمس سنوات فقط وجدت نفسي في الكويت التي جئتها بهدف شراء " عربية " والعودة بها إلى السودان والعمل " سواق تاكسي " ، وكنت أحمل رسالة للراحل المقيم ناصر الفرج رئيس إتحاد عمال الكويت – توفى أثناء الغزو العراقي للكويت – وعندما عرف أني مخرج مسرحي طلب مني تأسيس فرقة للمسرح العمالي وكانت تلك أمنيته خاصة وهو شقيق الممثل الموهوب سعد الفرج ، راقت لي الفكرة فشرعت في جمع الممثلين من خارج وداخل الوسط المسرحي الكويتي ، كنا نعمل يوميا ثلاث ساعات تدريبا ومحاضرات عن تاريخ المسرح ، نشأت الفرقة وأخرجت لها مسرحيتين ، الأولى من تأليفي باسم " عمال الورشة " والثانية من تأليف المسرحي العراقي الراحل المقيم قاسم محمد واسمها " حكاية الرجل الذي صار كلبا " .

والثقافة العمالية أيضا

وفي نفس تلك الأيام تسلمت إدارة الثقافة العمالية عندما تغيرت كل خططي وهكذا بدأت خطواتي الأولى نحو عالم العمال وما أروعه وأجمله ، عملت في معهد الثقافة العمالية في الكويت منذ عام 1978 إلى عام 1990 ، 12 عاما في قلب الحركة العمالية الكويتية والعربية والعالمية ، وتعرفت على عدد كبير من القيادات النقابية الكويتية والعربية والعالمية خاصة الإتحاد الدولي لنقابات العمال العرب والإتحاد العالمي للنقابات وكان مقره في براغ – تشيكوسلوفاكيا سابقا – وكان أمينه العام النقابي المعروف الراحل المقيم إبراهيم زكريا .

ولكني عرفت أيضا أن هناك إتحاد عالمي آخر وهو الإتحاد العالمي للنقابات الحرة ومقره في بروكسل – بلجيكا ، بالطبع كان هناك ثمة تعاون خجول بين الإتحادين بحكم الصراع بين المعسكرين الإشتراكي والرأسمالي ، ثم أتيحت لي فرصة ذهبية للعمل مع صحيفة الوطن الكويتية ، وكنت قد درست علم الصحافة في مصر ، فأشرفت على تحرير صفحتين أسبوعيتين الأولى تحت مسمى " وادي النيل " وتتناول أخبار مصر والسودان ، والثانية تحت مسمى " عمل وعمال " وتتناول أخبار الحركة العمالية والنقابية الكويتية والعربية والإفريقية والعالمية وبدعم مباشر من رئيس التحرير الراحل المقيم جاسم المطوع ، والصحفي النابغة محمود المراغي ود. احمد الربعي .

الآن أكون قد وصلت إلى لب الموضوع وهو الإحتفال بعيد العمال العالمي في كندا وأمريكا ، حقيقة صفحة " عمل وعمال " أتاحت لي فرصة التعرف على قضايا العمل والعمال في أنحاء الدنيا ، وأصبحت لدي مكتبة عمالية زاخرة بمئات الكتب نهبت جميعها إبان الغزو العراقي للكويت ، وبما أني كنت لصيقا بالحركة العمالية فقد أتيحت لي أيضا المشاركة في بعض المهرجانات والمؤتمرات العمالية وبعض دراسات عن الثقافة العمالية في الجامعة العمالية في مصر والمعهد العربي للثقافة العمالية في الجزائر وغيرها .

ونواصل

badreldinali@hotmail.com

المسرح العربي والتباس الهوية




المسرح العربي والتباس الهوية





مع أن المسرح ظهر بشكله البدائي الذي يعتمد على الهزل والسخرية والإضحاك في أيام الخلافة العباسية إلا أن الشاعر أدونيس يرى أن مفهوم ومقومات المسرح في تناقض واضح مع الثقافة الدينية للمجتمع العربي.



فالمسرح بمفهومه القديم والحديث قائم على الإشكال، والثقافة الدينية في المجتمع العربي تتسم بالبنية الخالية من الإشكال لأنها تقوم على الإيمان المطلق، الذي لا يفسح مجالا للتساؤل.

وكيف يمكن أن يزدهر المسرح في ثقافة لا يكون الإنسان في مركزها؟ فالإنسان، مسرحيا ، هو مركز الكون، لكن الله هو مركز الكون في الثقافة الدينية للإنسان العربي.

لكن أدونيس ليس الوحيد الذي لفت الانتباه الى هذا التناقض، وإن كان هو من شكك بوجود مسرح عربي سواء قديم أو حديث.

ومن أوجه التناقض بين مفهوم المسرح وطبيعة المجتمع والثقافة العربية يقول الباحث محمد عزيزة إن الصراع أساس المسرح وهو ليس من سمات المجتمع العربي على حسب رأيه.

ويقسم عزيزة الصراع في المجتمع الإغريقي إلى اربعة أشكال: الصراع العمودي، اي تمرد الفرد ضد إرادة الآلهة، والصراع الأفقي اي ثورته على قوانين المجتمع، والصراع الديناميكي الناجم عن رفضه لمصيره، والصراع الداخلي الذي يدور بين الإنسان وذاته.

ولا تتسامح طبيعة المجتمع العربي مع أشكال الصراع هذه.

بداية المسرح الحديث

أما بعض الباحثين الآخرين فيقولون إن المسرح بمفهومه الحديث (نص، خشبة، ممثلون، جمهور) عرف لأول مرة في التاريخ العربي في القرن التاسع عشر وأن أول عمل مسرحي حقيقي كان اقتباس مسرحية "البخيل" لموليير الذي قام به اللبناني مارون النقاش.

ويرى هؤلاء الباحثون أن هناك عدة أسباب كانت تحول دون نشوء ثقافة مسرحية قبل القرن التاسع عشر منها أن نمط حياة المجتمع العربي كان قائما على الترحال بينما المسرح يتطلب الاستقرار.

ومنها أيضا عدم مشاركة المرأة في التمثيل، وإن كان هذا لم يمنع ازدهار المسرح في عهد شكسبير، حيث كان رجال يؤدون الأدوار النسائية.

أما أدونيس فيضيف أن اللغة العربية هي لغة بيان وفصاحة، أو لغة وحي وإنشاء وتمجيد، واللغة المسرحية هي لغة التوتر والتناقض والقلق والصراع، "لغة الحركة"، كما يقول.

والغريب أن تجربته الشعرية القائمة على الإبداع اللغوي هي خير رد على نظريته، فهو ومحمود درويش من الشعراء العرب المعاصرين الذين اثبتوا أن اللغة ليست كيانا ميتا بل هي نسيج عضوي قابل للصهر والتشكيل والتطوير كأي أداة فنية تشكيلية.

من التجريد الى التجريب

كانت النصوص المسرحية للكتاب الكبار الأوائل ذات طابع فكري مجرد (توفيق الحكيم) وفكري (عند سعيد عقل) وفكري ديني (عند علي أحمد باكثير) وفكري أخلاقي (عند عزيز اباظة) كما يقول د.عبدالله أبو هيف في كتابه "المسرح العربي المعاصر".

ثم شغلت المشاكل الاجتماعية كتاب النصوص المسرحية ابتداء من خمسينيات القرن الماضي ورافق ظهور الفكر القومي نمو الجيل الثاني من الكتاب المسرحيين الذين اتسمت نصوصهم بالالتزام بمشاكل الجماهير، مثل نعمان عاشور ويوسف إدريس ورشاد رشدي وسعدالدين وهبة وألفريد فرج وصلاح عبد الصبور.

وفي سوريا ظهرت طلائع المسرح الجديد الذي يمثله علي عقلة عرسان وسعدالله ونوس ومحمد الماغوط.

وأنتجت حركة الاستقلال في الجزائر كاتب ياسين.

وهنا انتقل المسرح من معالجة المشاكل الاجتماعية الى القضايا الوطنية، أو زاوج القضيتين، الاجتماعية والوطنية في نصوصه.

ثم بدأت النصوص المسرحية تنحو باتجاه التقدم الاجتماعي والتحرر الوطني، بموازاة تشكل الوعي السياسي للكتاب.

يلاحظ في الحركات المسرحية الحديثة، خاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين غياب التراكم والتأسيس والتقليد الذي يتطور أفقيا بموازاة التطور التاريخي والاجتماعي، واتسام الحركات المسرحية بما يشبه رد الفعل الآني لوعي الكاتب السياسي والاجتماعي.

في خلال أقل من قرن من الزمن لم يشهد نقلة نوعية في التطور الاجتماعي انتقلت غايات وأنماط النصوص المسرحية من نصوص ترفيهية تهدف الى "الإمتاع والإرشاد" إلى أخرى يغلب عليها "التأمل الفكري" إلى نصوص تنتهج "الالتزام بالقضايا الوطنية وقضايا التحرر الاجتماعي" ثم لتنتقل بطفرة غريبة الى "التغريب" "والعبث" خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وما تلاها.

بدت الحركات المسرحية في العقود الأخيرة وكأنها ظواهر فردية لا انعكاس لحركة تطور المجتمع ككل، لذلك اقتصر الاهتمام بها على النخبة (السياسية بشكل خاص)، وعجزت عن أن تؤسس تقليدا راسخا، أو







مع أن المسرح ظهر بشكله البدائي الذي يعتمد على الهزل والسخرية والإضحاك في أيام الخلافة العباسية إلا أن الشاعر أدونيس يرى أن مفهوم ومقومات المسرح في تناقض واضح مع الثقافة الدينية للمجتمع العربي.



فالمسرح بمفهومه القديم والحديث قائم على الإشكال، والثقافة الدينية في المجتمع العربي تتسم بالبنية الخالية من الإشكال لأنها تقوم على الإيمان المطلق، الذي لا يفسح مجالا للتساؤل.

وكيف يمكن أن يزدهر المسرح في ثقافة لا يكون الإنسان في مركزها؟ فالإنسان، مسرحيا ، هو مركز الكون، لكن الله هو مركز الكون في الثقافة الدينية للإنسان العربي.

لكن أدونيس ليس الوحيد الذي لفت الانتباه الى هذا التناقض، وإن كان هو من شكك بوجود مسرح عربي سواء قديم أو حديث.

ومن أوجه التناقض بين مفهوم المسرح وطبيعة المجتمع والثقافة العربية يقول الباحث محمد عزيزة إن الصراع أساس المسرح وهو ليس من سمات المجتمع العربي على حسب رأيه.

ويقسم عزيزة الصراع في المجتمع الإغريقي إلى اربعة أشكال: الصراع العمودي، اي تمرد الفرد ضد إرادة الآلهة، والصراع الأفقي اي ثورته على قوانين المجتمع، والصراع الديناميكي الناجم عن رفضه لمصيره، والصراع الداخلي الذي يدور بين الإنسان وذاته.

ولا تتسامح طبيعة المجتمع العربي مع أشكال الصراع هذه.

بداية المسرح الحديث

أما بعض الباحثين الآخرين فيقولون إن المسرح بمفهومه الحديث (نص، خشبة، ممثلون، جمهور) عرف لأول مرة في التاريخ العربي في القرن التاسع عشر وأن أول عمل مسرحي حقيقي كان اقتباس مسرحية "البخيل" لموليير الذي قام به اللبناني مارون النقاش.

ويرى هؤلاء الباحثون أن هناك عدة أسباب كانت تحول دون نشوء ثقافة مسرحية قبل القرن التاسع عشر منها أن نمط حياة المجتمع العربي كان قائما على الترحال بينما المسرح يتطلب الاستقرار.

ومنها أيضا عدم مشاركة المرأة في التمثيل، وإن كان هذا لم يمنع ازدهار المسرح في عهد شكسبير، حيث كان رجال يؤدون الأدوار النسائية.

أما أدونيس فيضيف أن اللغة العربية هي لغة بيان وفصاحة، أو لغة وحي وإنشاء وتمجيد، واللغة المسرحية هي لغة التوتر والتناقض والقلق والصراع، "لغة الحركة"، كما يقول.

والغريب أن تجربته الشعرية القائمة على الإبداع اللغوي هي خير رد على نظريته، فهو ومحمود درويش من الشعراء العرب المعاصرين الذين اثبتوا أن اللغة ليست كيانا ميتا بل هي نسيج عضوي قابل للصهر والتشكيل والتطوير كأي أداة فنية تشكيلية.

من التجريد الى التجريب

كانت النصوص المسرحية للكتاب الكبار الأوائل ذات طابع فكري مجرد (توفيق الحكيم) وفكري (عند سعيد عقل) وفكري ديني (عند علي أحمد باكثير) وفكري أخلاقي (عند عزيز اباظة) كما يقول د.عبدالله أبو هيف في كتابه "المسرح العربي المعاصر".

ثم شغلت المشاكل الاجتماعية كتاب النصوص المسرحية ابتداء من خمسينيات القرن الماضي ورافق ظهور الفكر القومي نمو الجيل الثاني من الكتاب المسرحيين الذين اتسمت نصوصهم بالالتزام بمشاكل الجماهير، مثل نعمان عاشور ويوسف إدريس ورشاد رشدي وسعدالدين وهبة وألفريد فرج وصلاح عبد الصبور.

وفي سوريا ظهرت طلائع المسرح الجديد الذي يمثله علي عقلة عرسان وسعدالله ونوس ومحمد الماغوط.

وأنتجت حركة الاستقلال في الجزائر كاتب ياسين.

وهنا انتقل المسرح من معالجة المشاكل الاجتماعية الى القضايا الوطنية، أو زاوج القضيتين، الاجتماعية والوطنية في نصوصه.

ثم بدأت النصوص المسرحية تنحو باتجاه التقدم الاجتماعي والتحرر الوطني، بموازاة تشكل الوعي السياسي للكتاب.

يلاحظ في الحركات المسرحية الحديثة، خاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين غياب التراكم والتأسيس والتقليد الذي يتطور أفقيا بموازاة التطور التاريخي والاجتماعي، واتسام الحركات المسرحية بما يشبه رد الفعل الآني لوعي الكاتب السياسي والاجتماعي.

في خلال أقل من قرن من الزمن لم يشهد نقلة نوعية في التطور الاجتماعي انتقلت غايات وأنماط النصوص المسرحية من نصوص ترفيهية تهدف الى "الإمتاع والإرشاد" إلى أخرى يغلب عليها "التأمل الفكري" إلى نصوص تنتهج "الالتزام بالقضايا الوطنية وقضايا التحرر الاجتماعي" ثم لتنتقل بطفرة غريبة الى "التغريب" "والعبث" خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وما تلاها.

بدت الحركات المسرحية في العقود الأخيرة وكأنها ظواهر فردية لا انعكاس لحركة تطور المجتمع ككل، لذلك اقتصر الاهتمام بها على النخبة (السياسية بشكل خاص)، وعجزت عن أن تؤسس تقليدا راسخا، أو أن تضطلع بدور ثقافي مميز.

عندما نرحل الأشجار واقفة

عندما ترحل الأشجار واقفة


رحل وردي و زيدان وبطران و"أبوشنب " وبقي " أب ضنب "

بقلم : بدرالدين حسن علي

قرأت مرة أن الخجل والبكاء عاطفتان ثوريتان ، وحكى لي والدي " الله يرحمه " الكثير من القصص عن دموع الرجال وخجل الرجال ، دموع النساء وخجل النساء ، وهاأنذا أسكب دمعة على أرواح من فارقونا ، أتذكرهم لأنهم ما زالوا يعيشون فينا .

حصاد العامين

إنقضى عام 2011 و شهور قليلة وينتهي عام 2012 ، عام 2011 كان عاما إستثنائيا بحق وكذلك عام 2012 ، عاما ن جعلا الواقع أقرب إلى الأسطورة منذ أن أحرق بوعزيزي نفسه وتفجرت ما يعرف بثورات الربيع العربي ، منذ ذلك الحين والحرائق تتوالى علينا في تتابع مثير ولا يبدو أنها ستنتهي قريبا ، العامان شكلا رحيل عدد من القامات الباسقة سودانيا وعربيا وإفريقيا وعالميا ، عام 2011 كان عاما بثلاثمائة عام وكذلك عام 2012 ولم ينته بعد ، سأبدا بمن فقدناهم عربيا وخاصة في مصر التي غنى لها الكابلي " مصر يا أخت بلادي يا شقيقة " .بالمناسبة هل هي شقيقة ؟

في أغسطس من العام الماضي فقدت السينما المصرية دونجوان الشاشة الفضية كمال الشناوي الذي قال لي في جلسة صفاء بداره العامرة بالقاهرة أنه من مواليدالسودان ، ولا زلت أذكر أفلامه مثل الكرنك والإرهاب والكباب والواد محروس بتاع الوزير ودمي ودموعي وابتسامتي ولحم رخيص واجدع ناس والبيت الملعون والجبلاوي والسمان والخريف واللص والكلاب والشطار والصاغة وبنات الليل وأين قلبي ودعوني أعيش وغيرها ، كما رحلت الممثلة الرائعة هند رستم رمز الإغراء والأنوثة في السينما المصرية ، وهل ننسى أفلامها مثل المراهق الكبير وملكة الليل وباب الحديد وإشاعة حب ؟.

وبعد ذلك بشهرين فقط فقدنا الممثل الكبير الرائع " أبو السينما المصرية " عمر الحريري الذي ظل يصول ويجول في السينما والتلفزيون والمسرح لسنين طويلة مما اعتبره البعض آخر فتيان الشاشة الفضية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، وتذكرت يوم تعرفت عليه في منتصف السبعينات واستمرت صداقتي به حتى يوم رحيله ولم ار منه غير النبل والصفاء وحسن الأخلاق .

وبعد أقل من أسبوع على وفاة عمر الحريري توفيت في صمت المطربة الفنانة فايدة كامل والتي أشتهرت بأداء الأغاني الوطنية والأغاني العاطفية الخفبفة قبل أن تتجه للعمل السياسي ، وتوفيت الفنانة خفيفة الدم خيرية أحمد والتي قتلتني ضحكا في كل مرة ألتقيها أثناء مرضها ، ورحل المطرب عامر منيب في سن مبكرة ولم يأخذ حقه من الإهتمام والشهرة رغم مواهبه وهو نفس الرحيل المحزن للفنان طلعت زين ، ورحلت وردة الجزائرية ومات الكاتب الرائع أنيس منصور !!!!

وفي لبنان رحلت سعاد محمد أحد الاصوات العربية المهمة في القرن الماضي ، وأذكر حكايتها لي في بيروت عندما اجتمعت النخبة العربية لتأسيس جامعة الدول العربية واختلفوا حول عضوية السودان : هل هو بلد عربي أم إفريقي ؟ فوقف المندوب اللبناني وقال : إشفيكم يا جماعه – خلاص سموها جامعة الدول العربية والسودان ، مما دفع لاحقا رئيس دولة مثل ليو بولد سنغور ليقول : كنا نظن أن السودان سيكون احسن دولة

إفريقية فاختار أن يكون أسوأ دولة عربية !!!ورحل وليد غلميه مؤلف وملحن السيمفونيات والأغاني الشهيرة ورحل في سوريا صديقي المخرج السينمائي العظيم عمر أميرلاي والممثل النابغة حسن دكاك !!!

وفي تونس -التي زرتها ثلاث مرات وأكاد أعرف جميع فنانيها وأكاد أعرف ذلك الشاب الجميل بو عزيزي مفجر الثورة التونسية - رحل الممثل الكوميدي الخطير شعبان الشعري !!!

وفي المغرب أحزنني كثيرا رحيل " أبو الفنانين " عبد النبي الجراري مكتشف معظم الأصوات المغربية المعاصرة مثل نعيمة سميح وسميرة سعيد ، كما رحلت أختي الحبيبة حبيبة المذكوري !!!

وفي موريتانيا لي أصدقاءكثر تعرفت عليهم في الجزائر بولاية تلمسان التي قضيت فيها عدة شهور ، إلا أنني بكيت لرحيل نجمة الغناء الشعبي الموريتاني ديمي ميت أبا ، ولا أدري هل يستطيع الشعب الموريتاني أن ينساها !!!

وفي جمهورية الرأس الأخضر رحلت المغنية الحافية سيزاريا إيفورا !!!

وفي الكويت وعلى الرغم من رحيله عام 2010 ، إلا أنه لا بد من ذكره هنا لأنني عشت فيها 12 عاما استمتعت خلالها بالأداء الرفيع الرائع للفنان الكبير الراحل المقيم غانم الصالح .

وعالميا رحلت أسماء وقامات باسقة مثل جيمي هندريكس وكورت كوبيين وجانيس جوبلين ورحلت نجمة الغناء العالمية إيمي وايتهاوس والنجم الأمريكي جيمس دين ، وكل هذا " كوم " كما نقول بالسوداني ورحيل أسطورة الفن السابع إليزابيث تايلور " كوم آخر " ،رحل العالم الكندي رالف شتانيمان قبل أيام قليلة من تسلمه جائزة نوبل في الطب ، ومات باروخ بلومبرغ عالم الفيروسات ، ومات باريج بيتا سيراف عالم الوراثة ، ومات العالم الهندي الأمريكي هار جورونا ، ومات ستيف جوبز أحد أهم مؤسسي شركة " آبل " الأمريكية ورحل غارودي ورحل خيرة المبدعين .

صحيح أنهم جميعا رحلوا ماتوا ، ولكن ما يزالوا أحياء لأن أعمالهم ستبقى ولن تموت أبدا .

الموت المفجع

في وطني السودان فارقنا كثيرون ، ولا نملك إلا أن نتساءل : هل الناس الذين سيأتون بعد مائة عام سيذكرونهم أم ينسونهم ؟ وهو السؤال الذي فجره كاتبنا العظيم أنطون تشيخوف في مسرحيته الشهيرة " الشقيقات الثلاث " وكأنه كان يتنبأ بالمستقبل ويخاف الأيام التي قد تعبث بذاكرة الناس فلا يعودوا يتذكرون مبدعيهم وصانعي تراثهم .

نعم في السودان وخارجه مات الكثير في العامين الماضيين ، إغتيالا وفي حروب عقيمة أو لأسباب أخرى ، رحل قادة وسياسيون ومواطنون أبرياء ،يموتون كما تموت الأشجار واقفة ، وأقيمت سرادق العزاء هنا وهناك ، البعض نعرفهم وكثيرون لا يعرفهم أحد ، او كما نقول في أمثالنا " ماتوا فطيس " ، مقابرنا إكتظت بالموتى وخاصة مقابر فاروق والبكري وشرفي ، وهناك موتى بلا قبور . حالات كثيرة من الموت أفزعتني مثلما حدث هنا في تورنتو وفي الكثير من بقاع العالم ، صحيح المو ت يبدأ كبيرا ثم يصغر وتلك حكمة الله عز وجل ، ولكن هناك موت لا نتحمله ، هنا في تورنتو فقدنا الكاريزما الرجل الأسطورة كمال شيبون ، وفقدنا العبقري المطرب الفريد العندليب الأسمر زيدان إبراهيم والمطرب "الفلته " الأمين عبد الغفار و العبقري جدا الأستاذ الفنان محمد وردي وأرفض تماما تعبير الدكتور والفرعون والإمبراطور،يكفي أن أغني كل صباح "يقظة شعب "؟؟؟

فارقنا العبقري الشاعر الفريد محمد الحسن سالم حميد بعد أن صدمته سيارة !!! ، يكفي أن أقرأ له كل يوم "أرضا سلاح " ، فماذا يفيد لو كررت سيرتهم الذاتية ؟

مات الفنان المرهف نادر خضر فاتشح البلد بالسواد ، مات الصحفي المقاتل المناضل الكبير التجاني الطيب ، وفارقنا معجزة القرن الأستاذ محمد إبراهيم نقد .

موت نقد بقدر ما هزني بقدر ما أعاد لي صوابي ، قرأت مرة "ينبغي علبنا دوما أن نبحث في الإنسان قبل أن نبحث في الأحداث ، فكما يكون الإنسان تكون الأحداث ، وليس كما تكون الأحداث يكون الإنسان ، إن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوي التعصب ، وأن المستقبل يصنعه القلم وليس المسواك ، والعمل لا الإعتزال والإعتكاف ، والعقل لا الدروشة ، والمنطق لا الرصاص والبنمبان ، والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عليهم وهي أنهم ليسوا وحدهم جماعة المسلمين ، وليس هناك خطوط حمراء غير خطوط الدم الإنساني ".

رحلت عوضية عجبنا برصاصة شرطي ، ورحل بروفيسور عزيز بطران زوج أختي الحبيبة هادية طلسم ، ورحل الصحفي الكبير ميرغني عبد الرحيم أبو شنب أحد أبرز وأوضح الأقلام الصحفية الرياضية وبقي " أب ضنب " ، رحل عماد محمود ود.حاتم حمدتو .

رحل أخي وصديقي الفنان الممثل والمخرج المسرحي الكبير الريح عبد القادر .

نحن نواجه مشكلة " عويصة " أننا لا نعرف موتانا إلا بعد موتهم ودفنهم ولا نتناول سيرة حياتهم العطرة إلا على طريقة " أذكروا محاسن موتاكم "، وأقول " عويصة " لأن هذه هي ثقافة الجبن والجهل والحقد والحسد ، فلكي تكون رائعا وعظيما ينبغي أولا أن تموت ، "يعني بالسوداني كدي إنت موت وبعدين نشوف "

فماذا أنا فاعل أمام حضرة الموت ؟ لا شيء غير أن أكون كالآخرين ، أسكب دمعة حزن على رحيلهم و أن نسأل الله أن يرحمهم جميعا ويسكنهم فسيح جناته ويلهم آلهم وذويهم الصبر والسلوان .