الثلاثاء، 17 يونيو 2008

مسرح اليوم ....مسرح الأمس


بمناسبة مرور أربعين عاما على المسرح السوداني الحديث
ذكريات لا تنسى " 4 "
نأتي الآن إلى الموسم الثاني للمسرح القومي بأمدرمان ، والذي يؤرخ له بعام 1968 / 1969 – فماذا حدث في هذا الموسم ؟
لا بد أن نذكر أهم إنجاز حققه الفكي عبدالرحمن رائد المسرح السوداني الحديث وأولئك الذين وقفوا معه في الموسم السابق ، وهم كثيرون قد ذكرت بعضهم في مقال سابق وفي مقدمتهم الفنان الكبير مكي سنادة ، ولا يقل عنه جهد الآخرين أمثال محمد عثمان وعبدالله الشفيع والحارث ، ولكن أود أن أتوقف هنا عند شخصية لعبت دورا متميزا في إنطلاقة المسرح القومي بأمدرمان ، وكثيرون لا يعرفون هذه الحقيقة ، لأن هذا الرجل ظل يعمل في صمت كل سنوات عمره التي قضاها في المسرح القومي ، شاب وجيه وهاديء وصبور وفنان وإداري من الطراز الأول يندر أن تجد له مثيل في مجال الخدمة المدنية ، وقد كان المسرح القومي في ذلك الوقت يحتاج لمثل هؤلاء الرجال ، إنه الباشكاتب فاروق أحمد علي ، ولقد دهشت كثيرا عندما إستقر بي المقام في القاهرة عام 1990 وإنخرطت في صفوف التجمع الوطني الديموقراطي وتعرفت على المرحوم القائد العسكري الفذ فتحي أحمد علي فعرفت أنه الشقيق الأكبر لفاروق.
فاروق كان الدينامو والمحرك للعملية الإدارية والتي بدونها ما كان يمكن للمسرح القومي أن يحقق أي إنجاز يذكر ، كان فاروق يعي تماما ما هو المطلوب ؟ وكان الفكي عبدالرحمن يقدره ويحبه كثيرا ، وكما قلت في بداية هذا المقال أن أهم إنجاز حققه الفكي عبدالرحمن في هذا الموسم هو تخصيص ميزانية سنوية للمسرح القومي بلغت عشرات الآلاف من الجنيهات ، وما كان من الممكن أن يتحقق ذلك لولا الدقة الشديدة التي كان يتمتع بها فاروق - وسبحان الله – إنها ذات الدقة التي تمتع بها القائد فتحي أحمد علي ، ولأن هذا المقال لا يستطيع أن يستعرض كل التفاصيل فيمكن العودة إلى كتابي " المسرح في السودان " .
وبالطبع لا بد من ذكر أولئك العمال المهرة الذين كانوا يواصلون العمل صباح مساء بتجرد ومحبة غير عادية سواء في الديكور أو الإضاءة أو الستارة وغير ذلك ، ولم تعد ذاكرتي تسعفني لتذكر كل تلك الأسماء الرائعة الذين ضحوا بكل شيء من أجل المسرح ولهم سواء كانوا أحياء أو أموات كل الشكر والتقدير .
منزل جديد
ولكن من المهم الإشارة هنا لأول إنتقال لإدارة المسرح القومي من " البدرون " على شارع النيل إلى منزل فاخر " بلغة ذلك العصر " وكان مواجها ل " قصر الصادق المهدي " بحي الملازمين وهو ذات الشارع الذي كان يسكن فيه فاروق أحمد علي ، وأذكر في صبيحة يوم 25 مايو 1969 حضرت إلى مكتبي في ذات المنزل فوجدت " العسكر " وقد حاصروا منزل الصادق المهدي ، وكان بينهم صديق دراسة ، فتوجهت إليه أسأله عن الأمر فقال لي " يا زول أبعد بعيد إنها ثورة الشعب !!!!وتلك قصة أخرى ليس هذا مكانها .
في هذا الموسم قدمت أربع مسرحيات هي على التوالي :" على عينك يا تاجر " و " ما من بلدنا " و" مأساة الحلاج " و " السلطان الحائر " .
ومن الواضح جدا أن المسرحيتين الأولى والثانية هي مسرحيات سودانية لحما ودما بينما المسرحيتين الثالثة والرابعة هما مسرحيات عربية ، وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الفكي عبدالرحمن قرر منذ هذا الموسم أن ينوع في الأعمال المسرحية بحيث تضم مسرحيات سودانية –عربية – عالمية وإفريقية وهذا أيضا إنجاز آخر للفكي عبدالرحمن الذي كما قلنا كان فنانا ومنظرا ولاعبا سياسيا وطنيا وعربيا وإفريقيا وعالميا ، وقد وظف كل إمكانياته ودراساته لخدمة المسرح السوداني .
على عينك يا تاجر
التأليف : بدرالدين هاشم
الإخراج : الفكي عبدالرحمن
بالطبع أن ينبري الفكي عبدالرحمن لإخراج هذه المسرحية لم يكن أمرا مستغربا ، ولقد حدثني الفكي عبدالرحمن ذات نفسه قائلا " هذه آخر مسرحية أخرجها للمسرح القومي وبعدها سأعطي الفرصة للشباب الجدد " ، وهذا ما حدث فقد كانت هذه آخر مسرحية يخرجها الفكي عبدالرحمن وبعدها برزت أسماء حديدة في عالم الإخراج المسرحي ليس في المسرح القومي بأمدرمان بل في المسرح السوداني بشكل عام .
ما من بلدنا
ما من بلدنا كانت المسرحية الثانية وهي من تأليف وإخراج الفاضل سعيد الذي يواصل بهذه المسرحية نشاطه في مجال المسرح الكوميدي الذي تسيده بلا منافس
أما المسرحيات غير السودانية فقد كانتا من المسرح العربي وتحديدا من مصر ، حيث قام عثمان جعفر النصيري بإخراج مسرحية " مأساة الحلاج " لصلاح عبدالصبور ، بينما قام عوض محمد عوض بإخراج مسرحية " السلطان
الحائر " لتوفيق الحكيم .
ملحمة أكتوبر
إلى جانب هذه المسرحيات الأربع فقد شهد الموسم نشاطا آخر تمثل في إخراج مكي سنادة لملحمة أكتوبر التي ألفها الشاعر الكبير هاشم صديق رغم أن سنه في ذلك الوقت لم تكن تزيد عن 19 عاما وقام بتلحينها وأدائها الفنان المتميز محمد الأمين ومشاركة الفنانين عثمان مصطفى وخليل إسماعيل وأم بلينة السنوسي ومجموعة كبيرة من الطلاب والطالبات كانو يمثلون المجاميع أو الكورس الذي يردد فقرات الملحمة ، صحيح أن الملحمة أشهرت الشاعر هاشم صديق ، ولكنها أيضا أشهرت المسرح القومي ، وقد تشرف بحضور العرض عدد كبير من المسؤولين على رأسهم إسماعيل الأزهري ومحمد احمد محجوب وعبدالماجد أبوحسبو ، وكان هذا شرف كبير للمسرح القومي وللفنان محمد الأمين وللشاعر المرهف هاشم صديق ، والذي أصبح إسمه يلمع في الأوساط السودانية بإعتباره شاعر الثورة وشاعر الشعب ، ومنذ ذلك الوقت والفنانون يتلقفون قصائده بكل حماسة حتى أصبح شعره على لسان كل سوداني .
وقد أتيحت لي فرصة حضور جميع بروفات الملحمة التي كان يقودها الفنان الكبير مكي سنادة لدرجة أنني حفظتها مثل غيري من الألف إلى الياء كما يقولون بل كنت مع كثيرين من أبناء جيلي نرددها في كل المناسبات وحتى في حفلات الفرح .
مكي سنادة بعمله هذا إقتحم مجالا غير مطروق في السودان وهي الدراما الغنائية حيث سنرى كيف شكل ثنائيا مبدعا مع هاشم صديق في مسرحيات مثل " نبته حبيبتي " و " أحلام الزمان " .
سيدة الغناء العربي في أمدرمان
أما الحدث الثاني فقد كان حضور الفنانة الخالدة أم كلثوم إلى الخرطوم وإحيائها لحفلتين غنائيتين إمتلأت فيهما صالة المسرح حتى لم يعد يومها موطيء لقدم ، خاصة من الأشقاء المصريين الذين كانوا بالآلاف في السودان لا يقرقون بين مصر والسودان ، جاءت أم كلثوم لتغني في السودان ضمن مشروعها الكبير بدعم القضية العربية ودعم جمال عبدالناصر بعد هزيمة عام 1967 .
وقع مجيء أم كلثوم إلى السودان بردا وسلاما على أهل المسرح القومي بأمدرمان ، فقد تم تجديد " بدرون " المسرح وأدخلت الكثير من الإصلاحات والتجديدات في كل أقسامه خاصة تلك الحمامات وغرفة المكياج والملابس التي كان يفتقر لها المسرح القومي ، ثم خشبة المسرح والستارة الجديدة وتركيب إضاءة جديدة ، بل ونصب مكيفات ضخمة في صالة المسرح الكبيرة مما تسبب في إضفاء جو من الطقس البديع . وغنت أم كلثوم كما لم تغني في أية مناسبة أخرى وسهر الجمهور حتى الساعات الأولى من الصباح ، تلك أيام لن تعود وليالي من الفرح لن تسقط من الذاكرة وذكريات لا تنسى !!!!


مسرح اليوم ....مسرح الأمس

بمناسبة مرور أربعين عاما على ا لمسرح الحديث في السودان
ذكريات لا تنسى " 3 "

في عام 1967 وكنت ما أزال طالبا في الثانوي العالي بمدرسة الأهلية الثانوية بأمدرمان ، جمعتني عدة جلسات فنية مع خالي الأستاذ الفنان الكبير الراحل المقيم الفكي عبدالرحمن ، كان يقول لي " يا بني مستقبلك في المسرح " ، وكان وقتها قد " سلفني " مجموعة كبيرة من الكتب المسرحية إشترط علي إعادتها حالما أنتهي من قراءتها ، ولكني كنت سيئا جدا في إعادة الكتب لأصحابها ، ولازمتني هذه الخصلة السيئة طوال حياتي المهنية ، إلى أن جاء اليوم الذي دفعت فيه ثمن تلك الضريبة بأن قام أخواني وأصدقائي بالسطو على جميع كتبي المسرحية وغيرها ، وإذا بي أجد مكتبتي فارغة تماما من الكتب ما عدا بعض الكتب الصفراء التي كنت أزين بها مكتبتي ولم تغرني في أي يوم من الأيام بمطالعتها .
في العام 1968 أكملت المرحلة الثانوية العليا ، وتم قبولي بجامعة القاهرة الفرع ، وكان السبب الرئيسي في ذلك نبوغي الفني المبكر علما بأنني كنت أحصد درجات عالية في مادة " الحساب " ، ووجدت نفسي كارها للجامعة ودراساتها ، وكان من الطبيعي أن أتوجه إلى خالي الفكي عبدالرحمن طالبا منه أن يساعدني في العمل بالمسرح القومي ، ولدهشتي الكبيرة وافق خالي مباشرة وطلب مني أن أحضر إلى مكتبه في اليوم التالي .
وكان اليوم التالي علامة فارقة في كل حياتي وما يزال ، فقد تحول حبي وعشقي للمسرح من مجرد علاقة عاطفية وجدانية وهوى مجنون بالكتب وبشكسبير وبريخت وهنريك إبسن وكورني وراسين وموليير والبير كامو وغيرهم من الكتاب والفنانين المسرحيين ، إلى واقع ملموس ،فقد تم تعييني على بند المرحوم الشريف الهندي بالمسرح القومي بأمدرمان وإذا بالفكي يدفعني دفعا إلى المزيد من مطالعة الكتب فيسند لي مسؤولية المكتبة ، وكانت من إغراءاته لي الإلتحاق بمعهد الموسيقى والمسرح دون أن أفقد وظيفتي في المسرح وأيضا الحصول على بعثة دراسية عن المسرح في إحدى الدول الأوروبية ، وقد تحقق الإغراء الأول بينما فشل التخطيط الثاني فشلا ذريعا بسبب العداء الشديد الذي كان بيني وبين الجهاز الأمني الإستخباراتي .
تواصلت التحضيرات والإستعدادات لبداية المواسم المسرحية بالمسرح القومي بأم درمان ، وبتشجيع من خالي الفكي عبدالرحمن و بما توفر لي من ثقافة مسرحية جعلتني محاورا صعبا للفكي عبدالرحمن ذات نفسه عندما يطرح موضوعا للنقاش . كان الفكي ديموقراطيا بل مدرسة في حرية الرأي والتعبير ، وصراحة أقول لقد علمني الفكي فأحسن تعليمي .
خلال هذه الفترة تعرفت على عثمان جعفر النصيري ، وكان قد تخرج لتوه في جامعة الخرطوم والتحق بالعمل بالمسرح القومي بأم درمان لنشاطه المعروف في المسرح الجامعي ، كان النصيري يكبرني بعدة سنوات ، ولكنه فرض علي إحترامه لذكائه الشديد ، وسرعان ما أصبحت متأثرا به تأثيرا شديدا ، كان يزورني في مكتبي وأنا مسؤول مكتبة المسرح القومي التي كانت في بدايتها ، كان يقضي معي فترات طويلة كان لها أكبر الأثر في تحولي الكبير من مجرد شخص عادي إلى شخص آخر .
أحببته كثيرا ، بجسمه النحيف وعينيه الواسعتين وأنف سيرانو دي بيرجراك وأصبحت أزوره في بيته ومنه تعلمت الكثير ، تعلمت الكثير جدا وما زال الود بيني وبينه قائما !!!!!!!!!!!
إغتنمت مسؤوليتي عن المكتبة فعرضت بعض الأفكار على الأستاذ الفكي عبدالرحمن على تطويرها ، وكعادته لم يبخل ، فقد وافق على كل ما عرضت ، وبالطبع إستعنت بصديقي وأستاذي النصيري فقمنا بشراء كمية محترمة من الكتب المسرحية وغيرها من عدد كبير من المكتبات أذكر في مقدمتها كانت مكتبة القدال .
هذا النشاط أوجد نوع من الإحترام بيني وبين بقية الزملاء في المسرح القومي فبادرت إلى إبداء رغبتي لأستاذي الفكي عبدالرحمن بأن أنتقل إلى مجال
آخر.
وفوجئت به أيضا يوافق وينقلني إلى وظيفة مدير خشبة . لم تكن الوظيفة غريبة علي ، بل كنت أفهم كل ما يحيط بها من نظريات ومهام ومسؤوليات وكنت محظوظا جدا بأن إختارني صديقي وأستاذي عثمان جعفر النصيري لكي أكون مدير خشبة لأول عمل مسرحي له ومن تأليفه وإخراجه فكانت مسرحية " مجلس تأديب " ، وتعرفت أيضا على الراحل المقيم الشاعر علي عبدالقيوم وساعدت في إخراج مسرحية حفل سمر لأجل خمسة حزيران ، وكان له أثر كبير في تشكيل رؤيتي المسرحية والسينمائية ، كما تعرفت على د. خالد المبارك ، وكان هناك خالي الآخر عبدالرحيم الشبلي الذي كتب مسرحيته الشهيرة " أحلام جبرة " . وتعرفت أيضا على أساتذة آخرين أمثال إبراهيم شداد والذي تشرفت بالعمل معه في مسرحيته " المشي على الرموش" والأستاذ الراحل المقيم عوض محمد عوض وعملت معه في المسرحية الشهيرة " الزوبعة " كما تعرفت على فنانين مسرحيين آخرين سيأتي ذكرهم في حلقات قادمة ، أمثال الراحل المقيم محمد رضا حسين وتحية زروق وفتحية محمد احمد ونادية بابكر والريح عبدالقادر ومحمد شريف واسماعيل طه وقائمة تطول من الأسماء اللامعة .
إلا أن أهم محطة في حياتي المسرحية هي العلاقة التي نشأت بيني وبين الشاعر والكاتب والناقد والممثل هاشم صديق ، وما زالت هذه العلاقة ومنذ الستينات قائمة إلى الآن ، والواقع أنني إفتقدته كثيرا في سنوات الغربة الممتدة من السبعينات وإلى اليوم ، ولم يغب عن خاطري أبدا ولذا سأحكي عنه وعن بعض التفاصيل الهامة لاحقا .

أغاني الحمير

ما من شك أن مصر دولة رائدة ومنذ آلاف السنين على مستوى دول العالم ، وعلى الرغم من العصور الإستعمارية التي طالت دولا حتى مثل مصر إلا أنها – أي مصر – ظلت الملاذ الآمن لكل الشعوب التي تقف ضد القوى الإستعمارية ، ودفعت مصر ثمن ذلك بطواعية شديدة بسبب إيمان ثابت وراسخ لشعبها بالحرية والمساواة والعدالة الإجتماعية ، ومن المعروف جدا أن الشعب المصري دفع ثمنا غاليا و عن تضحيات جسام بسبب سؤءات الأنظمة التي مرت على مصر .
في مرحلة لاحقة بعد إنتهاء حقبة الإستعمار إتجهت مصر كدولة لتحقيق الامال العربية ، ومن ورائها بالطبع الشعب المصري ، والكل يعرف توابع ما حدث !!!!
هذه الكلمة لا تستطيع أن تحاكم هذا أو ذاك ، ولا تستطيع أن تقف مع هذا أو ذاك ، ولكنها تستطيع أن تشير إلى الظواهر السلبية الكثيرة التي برزت إلى السطح في غفلة من النظام الحاكم وهو الوحيد القادر على فرملتها والحد من إستشرائها ، والمعارضة المصرية لا تستطيع سوى التنبيه إليها والمطالبة بإحتوائها إلى أن يحين تأكيد مبدأ الديمقراطية بشكلها الحقيقي لا المشوه .
من ذلك مثلا هذا الإنتشار المتسارع للأفلام الهابطة والأغاني الأكثر هبوطا والسيطرة فيها لأغاني الحمير والخضار والفاكهة لدرجة أن حتى القنوات الفضائية لم تجد مادة فنية ثقافية إجتماعية تتناولها غير أغاني الحمير والخضروات ، وهكذا يتم تغييب الشعب المصري وتغييب الشعوب العربية عن قضاياها الأساسية من أجل حفنة قليلة من أصحاب النفوذ ، وفي الواقع من أجل حفنة قليلة من الكذابين والمجرمين ، وسارقي قوت الشعب .
هذا بالطبع لا يعجب الأصناف الأخيرة التي ذكرتها ، ولن يؤدي إلى ثورة تطيح بهم ، ولكن بالطبع لن يمنعنا من مواصلة الكتابة والوقوف بصلابة ضد كل محاولات تزييف الحقيقة ، خاصة إذا كانت تقف إلى جانب الشعوب المستضعفة .
أبومهيرة

سعاد


سعاد
عمر الطيب الدوش ٠
دقّت الدلوكة قلنا الدنيا ما زالت بخير
اهو ناس تعرس و تنبسط
تكّكتَ في الراكوبة بالحنقوقة سروالي الطويل
سويتلو رقعات في الوسط
في خشمي عضيت القميص اجري و ازبّد شوق و انُط
لامِنْ دخلت الحفلة
فجّيتْ الخلوق و ركزت شان البت سعاد
اصلي عارف جنها في زولا بيركز و ينستر
لكني عارف انها
لو كل زول في الحلة بالسترة انجلد
ياني الاذاها و جنها
برضي عارف اظنها ديمة في صرة وشيها يلفحني شوق نافر لبد
و ركزت للحرقة المشت فوق الضلوع تحت الجلد
طبّيت قزازتي مرقت عِنْ طرف البلد و سكرت جد
و انا جاي راجع منتهي لاقتني هي قات لي " تعال "
كبرت كراعي من الفرح نص في الارض نص في النعال
اتلخبط الشوق بالزعل اتحاورو الخوف و الكلام
هَيْ يا سعاد
علي ود سكينة الكِلْتِي في خشمو الرماد
علي ود سكينة المات أسي
و انا بت بلاك منعول هواي ان كنت ارضي اعرّسها
و انا يا سعاد وكتين تطلي سحابة رقصت للدعاش
بفرش علي روحي و اجيك زولا هلك تعبان و طاش
و انا يا سعاد وكتين اشوفك ببقي زول فرشولو فرش الموت و عاش
قالت سعاد: ( بطل كلام الجرسة انجض يا ولد )
طبّيت قزازتي مرقت عن طرف البلد و سكرت جد
اذّنت في الشوق و السلم
و سرحت بالناس و الغنم
و ركعت للعرقي البكر و رقدت في الالم الحِكِر
و حلمت زي شايلني وسط الزحمة نبي الله الخضر
صحاني صوت العمدة قال ( مسئول كبير زاير البلد
قبال يهل قبال يصل لازم تقيفوا صفوف صفوف و تهيجوا الخلا بالكفوف و تقولوا عاش .. يحيا البطل )
صلحت طاقيتي الحرير و ضراعي زي داير يجن
و الجوف يطقطق بالكلام و رميتو من حلقي الوصل
قت ليهو يا عمدة اختشي،
مسئول كبير في الحلة غير الله انعدم
ما شفنا زول سكّت جهال
ما شفنا زول رضع بهم
ما شفنا زول لطخ تيابو و جانا من طرف البلد
ما شفنا زول لملم رمم
لا صحينا عاجبنا الصباح و لا نمنا عاجبنا العشم
و الحلة من كل الجهات محروسة بالخوف و الوهم
و مضينا من زمنا قديم – يا عمدة – مرسوم انتحار
الموت مباح و الحب نطاح و الصدق من جنس الزنا
و العافية مولودة سفاح
و الرغبة مكسورة جناح
و الحلم و الوعد النبيل و الطفلة و الام،
النخيل الرنة في الوتر الاصيل
تلقاها في قاموس نكاح
يا يمة واح.
. يا حلة واح
يا سعاد تعالي و لمّي من كل البيوت عدة السفر الطويل
زخرفي الفجر النهار
شخبطي الضحي و الاصيل
المغرب الفجر النجوم، في صرة و ارميها البحر
خلّينا فوق الشك نعوم
و العمدة فاض و العمدة صار مليون عُمَد
و العمدة فيل جبلا تقيل لبوة و أسد
حسنة و غصب جمعة و أحد
بقّيت قزازتي مرَقتَ عِنْ طرف البلد ووترت جد
و انا جاي راجع اجهجهو لاقاني هو سايق العساكر و الكلاب
رامي بين عيني و عينو كلِب و تكشيرة و حُراب
ضاقت نعالي من الزعل من تحتها اتململ تراب
الغيب سكب ضُلو و مشي و الدنيا غيما سراب سراب
و الحلة زي بلدا بعيد زوّد بعاد و قرّب سعاد
اتجمعت كل البيوت في راحتا زي بت لعاب
مجنونة تصرخ في الزوال ممزوجة في الدم و اللعاب
عيني ضاقت نظرتها و الجوف يطقطق بالكلام
قبال يقولوا لي سلام
اتلموا حولي بلا نظام
شال و عمة توب و غُمّة فاس و طورية و حزام
شالوني بي كل احترام
و رموني في قعر السجن
حصلني قبل اليوم يتم جارنا المدرس ود خدوم
قال ليّا لا زولاَ هتف و لا كف مشت بتلاقي كف
و العمدة زي همبول وقف
يا صمتُ اف يا دنيا تف
و انا يا سعاد للشوق نغم للهم علف

الخميس، 24 أبريل 2008

الوطن في عيون الأقباط السودانيين


حكايات من كندا
: الوطن في عيون الأقباط السودانيين
ما بين مدحت شنودة ونادر حلة والبيرت ميلاد وأمير وأشرف ماهر
يكتبها من تورنتو – بدرالدين حسن علي badreldinali@hotmail.com
الواقع أن ما دفعني لكتابة هذه المقالة المداخلة التي تنشر لصديقي العزيز كمال الجزولي في " سودانايل " حول دور المسيحيين السودانيين في عملية السلام ، ولأنها ليست تعقيبا على ورقته لذا رأيت نشرها متزامنة مع مداخلته لأنها تعرض موضوعا يخدم ذات السياق الذي يسعى إليه كمال . تجمعني بالأقباط السودانيين علاقة تمتد لسنين طويلة ، وتحديدا منذ طفولتنا الباكرة عندما تفتحت أعيننا فوجدنا أن جيراننا من اليمين واليسار أقباط " كنا في ذلك الزمن البعيد نطلق عليهم إسم – نقادة – " ، ولم يسأل أحدنا الآخر ما هي ديانتك ؟ ولم يكن لأحد أن يجرؤ أو يخطر على باله طرح مثل هذا السؤال ، وللحقيقة والتاريخ وحتى هذه اللحظة لم يطرح أي فرد من أفراد أسرتي مثل هذا السؤال ، بل وعلى الرغم من أن سنوات غربتي عن السودان هي ذات سنوات الإنقاذ منذ مجيئها إلى السلطة في السودان وفي كل إتصالاتي بأهلي والسؤال عن أولئك الصحاب فإن العبارة المتبادلة : كيف الجيران ؟ والمدهش في الأمر أنه بعد زواجي من الراحلة حورية حسن حاكم والتي يقيم أهلها في حي عين شمس المعروف بالقاهرة وجدت نفس الحال ، إذ أن دارهم الكبيرة الواسعة تجمع معظم الأقباط السودانيين والمصريين لدرجة أن قريبهم خالد تزوج من نارمين على غير موافقة والديها وهما من عائلة صعيدية معروفة وأوشك الأمر أن يصل إلى مرحلة قتل خالد ونارمين ولكن والد حورية – رحمه الله – هو الذي أوقف تلك المجزرة بحكمته وشجاعته . كانت " الحيشان " لها أبواب من الداخل لتسمح بعبور الأطفال والنساء ، وكنت كثيرا ما أجد والدتي – رحمها الله – تجالس أم هلال – رحمها الله – تحادثها وتضحك بأعلى صوتها وتقول لها " الله يلعنك يا أم هلال ضحكتيني قوماكي نصلي إمكن ربنا يغفر لينا ذنوبنا " فترد عليها أم هلال " صلي إنت أنا صليت " ، لم أر وحدة أسرية كتلك ، فقد كنا أقارب ، وما زالت تلك الأبواب مفتوحة إلى اليوم ، الأمر الوحيد الذي يؤلم الجميع حركة التشتت والتفرق التي صاحبت الإغتراب الذي شملنا كلنا ولا فرق بين إغتراب إقتصادي ، سياسي أو ديني ، المهم إنقطع الحبل بين معظم أفراد تلك الأسرة " الإسلامسيحية " . وتشاء الأقدار أن أهاجر إلى كندا وأن أصادق معظم الأقباط السودانيين فيها وقد حدث أننا كنا نلعب " ويست " وأنا المسلم الوحيد بينهم فإذا بمجدي زميلي في اللعب يقول لي " ما تلعب يا عبدالمسيح " وهكذا إنتشر الإسم . ومع أصدقائي الجدد تذكرت أصدقائي القدامى ، وشرعنا نتجاذب أطراف الحديث عن كل قضايا السودان بصراحة ووضوح شديدين " وبدون زعل كما يقولون " ، ووجدت فيهم نفس تلك الصفات التي ميزتهم ، مسيحي لكن سوداني جد جد وأخو أخوان ، شجاع ونبيل وكريم ويحب الوطن حتى " النخاع " وعلى إستعداد تام للتضحية بكل شيء من أجل السودان ، وشرعت في تجربة عملية للتأكد من ذلك فكانت الحصيلة الحكاوي التالية : مدحت موريس شنودة شاب يصغرني كثيرا ولكنه شاب طموح وبلغة كندا very hard worker بنى نفسه عبر مخاض من المعاناة والجلد والثبات والإعتماد على الذات ، ساعده في ذلك ذكاؤه الشديد ، ولكنه لم يحقق كل هذا إلا عبر سودانيته الخالصة التي رضعها منذ نعومة أظافره ، ولم يزده رحيل والده إلا المزيد من التصميم لتحقيق طموحاته ، وهو الآن يمتلك طلمبتي بنزين بعد أن كان عاملا بسيطا قبل سنوات قليلة ، وعلى الرغم من أنه يعيش مبسوطا مع زوجته الرائعة هناء وأطفاله إلا أن المال لم يفعل شيئا سوى المزيد من حب السودان وحب السودانيين ففتح ما إمتلك للسودانيين يأتمنهم على كل صغيرة وكبيرة ، وما زلنا في كل مرة نلتقي فيها نغني سوية " يا حمام الوادي يا راحل " ، وبعد أن يعطر سماءنا بغنائه الجميل يرحل عنا كالنسمة ولا يترك غير سودانيته الأصيلة ، وهو ما دفعه لكي يرسل بإستمرار هناء وأطفاله إلى زيارة السودان كما حدث قبل أسابيع قليلة ، مدحت على الرغم من أنه كما قال ود الأمين " صارم القسمات " إلا أنه بشوش وضاحك يذكرك بأهلنا الكبار الذين يجمعون بين الجد والهزل . البيرت ميلاد عبد السيد كان موظفا بسيطا في وزارة المالية بدأت غربته قبل سنوات طويلة بدأها في ليبيا ، ومنذ ذلك الوقت المبكر لا يعرف غير صداقات السودانيين ، جمعتني به صداقة حميمة وأختبرته في مرات عديدة فاستفزني بسودانيته وعندما دعاني للغذاء في داره العامرة وتعرفت على أفراد أسرته تأكد لي أن السودان وشعب السودان بخير وأن الإمتحانات الصعبة لم تلد إلا " رجال صعبين " ، وهكذا هو البيرت صعب جدا ولكنه طيب جدا ، وليس غريبا أنه الآن نائب رئيس الجالية السودانية في تورنتو ، وفي نفس الوقت زعيم الأقباط السودانيين في كندا إلى جانب زعامات أخرى شامخة ومتفانية مثل الخال أديب ومراد بولس وعمي منير ورودي ومنجاريوس وجورج سمعان ووليام ووصفي وبطرس وعاطف ومجدي ونخلة وجمال يونان وفائز ود. وجدي ونبيل عوض وأبناء أديب ريمون وفيصل و فائز ، والزعامة التاريخية للأقباط في كندا مسعود شفيق وإبنه بيتر وأصدقائه روماني وبوش ويوسف وريمون وأبناء مراد ورودي وجابر ود حلتنا ود. رأفت إبن الراحل الشاعر منصور ورضا الميكانيكي وكميل ورفعت وطلعت والشاب الظريف جرجس ورؤوف والصيدلي علاء وزوجته بنت الدكتور منصور ناصيف وأسماء أخرى لا أستطيع حصرها . أما عمنا فاضل ماهر فيكفينا فخرا به أولاده أمير وأشرف ويوسف اللذين يتمتعون بسودانية تفوق كل تصور وحميمية تقهر كل أشكال التعصب والتطرف الأعمى ، بيوتهم مفتوحة للقاصي والداني وكرمهم الفياض يعكس خلفية السودان وكل ما في جملة " القومة ليك يا وطني " . وأخص بالدكر هنا هذا الشاب أمير الذي بإمكانه أن يرتكب جريمة قتل ضد كل من تسول له نفسه المساس بالسودان أو باي سوداني ، ولست مبالغا في هذا وإنما عن تجربة جرت أمام عيوني وعيون آخرين . أما نادر إبن الراحل العظيم فتح الله إبراهيم فتلك قصة أخرى ، أصدقاؤه يسمونه نادر حلة ، ولفظ حلة لقب لازمه منذ تلك الليلة في النادي القبطي بالخرطوم عندما شاءوا التفريق بين كذا نادر ولا علاقة للقب ب " الحلة السودانية " ، نادر حلة من الشباب القلائل اللذين إرتقوا السلم بهدوء شديد ولكن بذهن مفتوح وعيون مفتوحة ل " الآخر " ، تنقل نادر عبر عدد من الوظائف تجمع بين الوظائف السيئة الصعبة ووظائف يمكن من خلالها إستشراف المستقبل ، وتمكن بذكائه وخبرته وتصميمه أن يجتاز المرحلة الخطرة ، ثم رويدا رويدا كما يقولون فارق الذل والمهانة وأصبح أكبر موزع للفلايرز " أوراق دعاية إعلانية لكبرى الشركات الكندية وألأميركية " إلى جانب مشروعات إستثمارية صغيرة تدر عليه مالا لا بأس به . نادر حلة علمني درسا غاب عني لسنوات طويلة ، وكنت أحتاج لشخص يذكرني به ، فقد أمضيت كل سنوات عمري عاشقا للقلم والكتابة والورق ، حين أصبحت الكتابة شغلي الشاغل والهم اليومي رغم عذابه وضنكه ومتاعبه ، إلا أنه يمتعني ويزيدني قوة وصلابة ، وبسبب الصحافة ومهنة الكتابة تم فصلي من عملي وتعرضت للتحقير والتعذيب وهربت من الوطن إلى أن جئت كندا لاجئا سياسيا . في أحد الأيام إتصلت بصديقي نادر حلة وطلبت منه أن يفتح الكومبيوتر ويطلع على سايد " سودانايل " في الإنترنت ، وعندما فعل ذلك سألني عن ماذا أريد فطلبت منه أن يقرأ مقالي المنشور ضمن مقالات أخرى ، وكانت المفاجأة أن أمطرني بوابل من الشتائم واللعنات محتجا على طلبي ، إذ كيف يمكن أن أطلب منه قراءة مقال كامل وهو لا يطيق قراءة سطر واحد في جريدة ، بل هو لا يستطيع أن يضيع وقته الثمين والغالي في قراءة كلام هو في النهاية مجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع . فكرت بعدها فيما قاله وإنفجرت ضاحكا ، إذ بدا لي أن كل ما فعلته مع الكتابة وكل المغامرات والنضالات والتضحيات ما هي إلا خدعة كبرى وكلام فارغ نادر حلة هو صديقي الجديد الذي حل محل أصدقائي السابقين الذين باعدت بيني وبينهم المسافات وظروف الهجرة ، ولأنني أحببته منذ أن عرفته فقد قبلت أن أعمل معه ، وليومين متتاليين أسبوعيا نحمل أطنانا من الورق " الفلايرز " نجول بها في أنحاء تورنتو من أقصاها إلى أقصاها نوزعها على العمارات والمنازل وأنا سعيد بهذه المهنة الجديدة ، طالما تتيح لي فرصة أن نتحدث ونضحك وننكت ، والأهم من ذلك حديثنا عن الأقباط في السودان . وأنا كنت بطبعي دائما أتعامل مع الورق بشفافية وحنية وأدب شديد ، ولكن متطلبات المهنة دفعتني إلى التعامل مع الورق بغلظة وقسوة ، يقذفها لي نادر كما أقوم بقذفها ، بل نطؤها بأحذيتنا ونمشي عليها وقد " نشوتها " بالحذاء ونلعن سنسفيل أهلها . فكيف يمكن بعد كل هذا التاريخ الناصع مع الورق ينقلب الأمر إلى عداء وكراهية ؟ كان الأمر مضحكا وكان محزنا أيضا ، فلكي أكسب قوت يومي لا بد أن يكون تعاملي مع الورق كما يأمر به السيد نادر حلة ّّ!!!! لي صديق صحفي جاء حديثا إلى كندا ، سألني : ماذا تعمل ؟ قلت له : موزع فلايرز ؟ فسألني : موزع أيه ؟ قلت له : حسنا موزع ورق . فقال لي بسعادة غامرة : ممتاز يعني بتعمل في مجالك !!! ضحك نادر حلة عندما قلت له ذلك وضحكت أنا حتى بكيت من الحزن ، وضحك أيضا آخرون ، ولكن إتسعت دائرة التعارف وأصبحت اليوم تجمع مسلمين وأقباط سودانيين نتسامر حتى الساعات الأولى من الصباح نتحدث في شؤون الوطن المسالم ونتحدث عن السلام والديمقراطية والعدل والمساواة والتعدد الثقافي ونطرح السؤال : متى العودة إلى الوطن الغالي ونغني : وأبقى راهب ليها وأعبدها ، بينما يردد البعض الاخر : أنجبتني مريم المجدلية

السبت، 9 فبراير 2008

رسالة ثلجية


رسالة ثلجية وهموم سودانية لعموم المثقفاتية


بدأ الثلج يتساقط في كندا مبكراّ على غير عادته ، وقبل تساقطه هذا تساقطت كل أوراق الأشجار التي كانت مفرهدة مزهوة بلونها الأخضر تعطي للحياة معنىولتحقيق الأماني أمل ، الآن توهط اللون الأبيض ونزل وسكن فوق كل البيوت والشوارع والميادين والحدائق ، دوائر ومربعات ومستطيلات من الطباشير الأبيض على مدى البصر ، من النافذة لا شيء يوحي بالحياة سوى من حين إلى آخر تتحرك بعض الأجسام في هزال وتعب شديد ، لا شيء يوحي بأن هناك ثمة هدف ، فهذا بتعبير مهذب وقت الكسل ، ولكنه في حالة مشابهة وقت الموات والإختفاء ، يسمونه في لغة الأدب وربما السياسة البيات الشتوي .
عاندت نفسي وجلست تحت زمهرير الثلج أعود بالذاكرة إلى سنين خلت ، تعمدت أن تكون العودة بلا ترتيب زمني ، وإنما قفزات فوق العقود والحقب مشحونا بذاكرة متعبة من الجلد والقهر والمنفى ، مر شريط سينمائي طويل يعرض صوراّ باهتة لوجوه دخلت التاريخ ولم تخرج ، ووجوه خرجت من التاريخ قبل أن تدخل ، ووجوه منعت من الدخول وأخرى منعت من الخروج وبعضها تراوح بين الدخول والخروج ونشبت معركة بين كل الوجوه واجتاحتني عاصفة من الهوس ورغبة مكتومة في الإنتحار ورغبة اخرى في المقاومة، الموقف كان صعباّ .
بدا لي أن الزمن في السودان يحفل بالموت وتقل فيه الحياة ، وأننا مجموعة كبيرة من المنافقين والكذابين أحياء ولكننا موتى ونعيش على صدقات أحياء ولكنهم موتى ، وليس أمامنا سوى أن نرفع شعارات هي في النهاية جلد الذات ، نحن بصراحة نجيد صناعة الموت ، ولنا سجل طويل غير مسبوق في موت المبدعين المبكر .... من التجاني يوسف البشير ومعاوية محمد نور والمجذوب ومحمد عمر بشير وصلاح أحمد إبراهيم وخالد الكد وليلى المغربي وخوجلي عثمان ومحمد رضا حسين وأحمد عاطف وأحمد قباني وجيلي عبدالرحمن وأحمد الجابري ورمضان زايد وعبد العظيم حركة وأحمد المصطفى وعبد العزيز العميري ومصطفى سيداحمد وحورية حاكم وعلي عبدالقيوم وعمر الدوش و..و.. قائمة طويلة من الموت المبكر ، ليس بسبب المرض وإنما بسبب القهر والحرقة على البلد !!!!!!!
ويا لحظ السودان يموت الشعراء والأدباء والفنانون وكبار المثقفين مبكراّ ويعمر السياسيون يرأسون أحزابنا ويحكمون بلادنا عقود وعقود وما يزالوا يحلمون ليس بحسن الخاتمة وإنما بصفقة مال تزيدهم وجاهة .
وها هم مفكرونا وكتابنا وشعراؤنا وطليعة مثقفينا يغسلون الصحون في لندن ، ويكنسون الشوارع في باريس ، ويجمعون القمامة في واشنطون ، وتطحنهم مصانع الأسمنت و البلاستيك في كندا ، ومن حالفه الحظ يعيش مطعونا في الشرف والكبرياء بدنانير ودراهم النفط .... يا لتعاسة مهيرة والخليل وعبداللطيف وكل الأسماء الخالدة في تاريخ السودان القديم والحديث .
منفيون في كل بقاع العالم ومن خيرة أبناء الوطن الملازم عزاؤهم الوحيد حفظ ماء الوجه وما تبقى من كرامة شخصية فهم على الأقل يعيشون حياة خالية من الخوف مثلي تماماّ ولكنها حياة خير منها الموت ... يا لعجبي !!!!!
اليوم المثقف أو الشاعر أو الكاتب أو المفكر أو المخرج المسرحي أو المخرج السينمائي أو الصحفي السوداني يأتي اسمه في ذيل القائمة حتى لو كان عضواّ في حزب المؤتمر الوطني الحاكم ، وكما يقولون وكما تردنا الأنباء فهو إما خائف أو نصف جائع أو منافق ...... وكما قال وكما كتب أكثر من مناضل يحب السودان ويعشقه أنة السودان لم يعد فيه من مجال لكي يؤدي المثقف دوره الوظيفي في المجتمع كحامل رؤية أو أداة تجديد وتطوير وتعليم وتثقيف وتغيير ونقد !!!!!

المثقف في السودان - وأرجو أن تنتبهوا لهذا - قد يسمح له بأن يشتغل في الطين ولكن - كما قال أحد المفكرين - ليس لكي يصنع تمثالاّ بل لكي يوسخ أصابعه وملابسه ... وقد يسمح له بإخراج فيلم سينمائي فيخرج شيئاّ من قفاه !!!!!
أنظر إلى سياسيينا فأتذكر نهرو ومانديلا ونكروما وديجول ولا أتذكر من قادة وطني إلا من مات مقتولاّ أو شهيدا قبل أن يكمل رسالته ، أنظر إلى وطني بعد 1956 فلا أرى سوى عبود وهو عسكري ونميري وهو عسكري والبشير وهو عسكري ، وإن حاولت أن أرى أبعد من ذلك رجع البصر خاسئاّ !!!!

كمهاجر منفي في أقاصي الدنيا كما يقول صديقي محمد محمد خير لا أحلم إلا بالعودة إلى وطن أحس فيه بالأمان وأنني آمن ، لا أحد في هذا المنفى " المقرف " يرغب في العيش فيه ، لا نرغب يا أهل بلدي أن نقف طوال شتاء أريزونا وتورنتو في محطات البنزين أو نشق ليالي المدن لتوصيل أطباق البيتزا !!!! نريد أن نعود إلى الوطن لتوصيل أطباق الكسرة واللقيمات لكل النساء السودانيات .

الفنان النوبي السوداني العربي الإفريقي العالمي محمد وردي
تورنتو-بدرالدين حسن علي
أتذكر الآن وبعد مضي نحو عشرين عاماّ تلك اللوحة الرائعة للفنان التشكيلي الراحل ميرغني الأمين .. ذلك المبدع المتمرد المنتمي إلى شعبه ووطنه لدرجة الذوبان في طينه ورماله ، فعلى خلفية زرقاء صافية رسم حروف " وردي " على هيئة طيور بيضاء ترفرف بأجنحتها في عنان السماء حمائم للسلام ، وبلوحته تلك أخرج لنا قصيدة تشكيلية كقصيدة الطيور المهاجرة للشاعر السوداني الكبير صلاح أحمد إبراهيم بل كانت أصدق تعبيراّ عن هذا الفنان النوبي السوداني العربي الإفريقي العالمي محمد عثمان وردي وشدوه الجميل الذي صاحبنا كل هذه السنين الطويلة وساعدنا أن نضحك ونغني ونرقص ونتمسرح في هذه الدنيا حتى لو كنا في منافي كندا ، وما زلت حتى الآن أسمع وردي كما كنت أسمعه وأنا في الصبا وأصر على ترديد كل أغانيه التي أحفظها عن ظهر قلب ، وما من نشيد إلا وأنشدناه أطفالاّ ونساءّ ورجالاّ بحماسة تلهب مشاعرنا بحب الوطن وسلامته وأمنه وإستقراره وأزدهاره .. هو فنان مدهش ورائع إلتف حوله كل السودانيين وأصبح رمزاّ وطنياّ ومطرباّ متفرداّ ومتميزاّ .. مسيرته غنية بالعطاء الخالص المتدفق ألقاّ وإبداعاّ .. قدم خلالها عشرات العشرات من أحلى الأغنيات ، والتي إختارها بعناية فائقة لكبار الشعراء .. تفاعل مع كل القصائد بروح فنان يعرف ماذا يريد ويعرف كيف يعبر عما يريد .. ولعل هذا هو السحر الخاص الذي يمتلكه الفنا ن وردي ، عندما تقع القصيدة بين يديه يدخل في أحشائها .. يتغلغل في شرايينها وفي كل حروف كلماتها ومن داخلها يفجر تلك الشحنات التي تجعلها قصيدة لوردي وبس كما لو كان هو مؤلفها .. ولم لا .. فليس بالضرورة أن يكون الشاعر هو المؤلف فقد يكون ذلك المتلقي الراهب المتعبد في صومعة الشعر ولهاّ وتيها حتى يفنى فيه .. ووردي شاعر ورسام ومطرب ومغرد ومنشد وموسيقار ومايسترو يعزف على أوتار القصيدة على نحو لا يجود الزمان بمثله إلا مرات قليلة .
كم من السنين مرت يا وردي على تلك اللوحة التشكيلية التي رسمها لك الفنان الراحل المقيم ميرغني الأمين ؟ وهل ما تزال معك ؟ في تلك اللوحة أرى شموخك وكبرياءك ، أرى وردي الذي لم ينكسر في زمن الإنكسار ، ولم ينهزم في زمن الإنهزام ، لم يهادن أو يصالح ، قل لي يا أيها النوبي ما سر هذه القوة والجسارة ؟ أنا أعرف أن لكل شيء ضمير ولكن أعرف أيضاّ أن ضمير الغناء السوداني هو محمد وردي وأعرف أيضاّ لماذا أنت شاغل الدنيا والناس .
تعثرت مشاريعك الفنية الكبرى ؟ لا تحزن يا صديقي كل مشاريعك أمانة في أعناقنا إلى يوم الدين .. مهموم بمشروعك الجديد لإنقاذ أطفال السودان ؟ تأكد يا صديقي سندعم مشروعك بكل ما نملك من أجل أطفال أهلي الطيبين ومن أجلك .
نتابع أخبارك عن بعد بعد نجاح عملية زرع الكلى في قطر ونقول لك ألف حمدالله على السلامة وبانتظار أن نسمع منك يا رائع يا جميل .

الفكي عبدالرحمن ... رائد المسرح السوداني الحديث

رحيل أبو المسرح السوداني الحديث
الفكي عبد الرحمن فناناّ ومعلماّ وإنساناّ
غيب الموت قبل عدة أسابيع فناناّ سودانيا أصيلاّ يندر أن يجود الزمان بأمثاله ذلكم هو الفنان والمعلم والمربي الإنسان الفكي عبد الرحمن والذي إستحق أن يقال عنه بكل فخر وإفتخار أبو المسرح السوداني الحديث ، كان الفكي فناناّ موهوباّ رضع وشرب المسرح من جميع مصادره وتسلح في وقت مبكر جدا بأصول المسرح عندما كان ترفاّ لدى البعض ، وكان دائما يذكرني بالمقولة الشهيرة " أرني المسرح في أي بلد أقل لك نوع النظام الذي يحكمه " ، بل كان على إيمان عميق برسالة المسرح السياسية والإجتماعية والتربوية والفنية ومن هنا فقد كانت كل سنوات عمره تضحيات متواصلة من أجل مسرح سوداني أصيل واختار معركته الأولى في المسرح القومي بأمدرمان ذلك البناء الكبير الذي بنته حكومة الفريق إبراهيم عبود والمطل على نهر النيل الخالد وواجهة لمركزين إعلاميين كبيرين هما الإذاعة والتلفزيون وفيما بعد الإنتاج السينمائي والفنون الشعبية وفرقة الأكروبات السودانية ، وحملت جميع هذه المراكز بصماته الواضحة إما تأسيساّ أو تغييراّ في النهج والأسلوب وتطويرا في الشكل والمحتوى فكانت دروسه العظيمة تلك دافعاّ للمئات من الفنانين السودانيين من الشباب والشيوخ للتوجه نحو المسرح أو تلك المراكز لتقديم إبداعاتهم وفنونهم .
أطلق الفكي عبدالرحمن كما قلنا الشرارة الأولى في المسرح القومي بأم درمان عام 1967 ، كان المسرح القومي يومها وكراّ للبوم والخفافيش ومرتعاّ خصباّ للنفايات والأوساخ ، فشمر عن ساعده وحمل أول " كوريك " لإعادة بناء المسرح وتجهيزه كي يكون صالحاّ للعروض المسرحية رغم مساحته الكبيرة ووقف إلى جواره شباب ورجال آمنوا بالرسالة وقدموا الكثير من التضحيات يضيق المجال هنا لذكر أسمائهم وبعد فترة وجيزة أعلن بدأ المواسم المسرحية في المسرح القومي والتي أصبحت تقليداّ سائداّ إلى يومنا هذا رغم ما إ عترضت مسيرة المسرح من عقبات وتداخلات بسبب الأنظمة السياسية التي حكمت السودان بعد الإستقلال .
يومها كان الفكي عائدا إلى السودان من إنكلترا بعد أن أنهى دراسته المسرحية فيها متابطا شكسبير وأرسطو وراسين ومولير وكوردن كريج واستانسلافسكي وهنريك إبسن وتشيخوف وبرتولد بريخت وفيشر وأونيل وآرثر ميللر والبير كامو وتينيسي وليامز وجان جينيه ولوركا وكاسونا وبسكادور وبيرانديللو وبيتر فايس وجنوا أشيبي وولي شوينكا وتوفيق الحكيم وصلاح عبد الصبور ومحمود دياب واسطسحب معه في السودان إبراهيم العبادي وخالد أبو الروس والطاهر شبيكة والفاضل سعيد وحمدنالله عبدالقادر وغيرهم .
وجاء بفنانين من الجامعات والمعاهد العليا وحتى من الثانويات ليشاركوا في تلك القافلة الفنية الرائعة – مكي سنادة ، أبو قبورة ، اسماعيل خورشيد ، أبودليبة ، عثمان قمر الأنبياء ، جعفر النصيري ، خالد المبارك ، علي عبد القيوم ، عمر براق ، محمد رضا ، أبو العباس محمد طاهر ، صلاح تركاب ، يوسف عايدابي ، هاشم صديق ، فتح الرحمن عبد العزيز ، محجوب عباس ، يوسف خليل ، صلاح قولة ، السر
قدور ، إبراهيم حجازي ، محمد عثمان المصري ، عوض محمد عوض ، إسماعيل طه ، عوض صديق ، أبراهيم شداد ، علي مهدي ، تحية زروق ، فتحية محمداحمد ، حسن عبدالمجيد ، محمد شريف ، هاشم محجوب ، يحيى الحاج ، الريح عبدالقادر عبد المطلب الفحل ، عمر الحميدي ، عمر الخضر وذلك الجيل من الشباب واعتذر لمن فاتني ذكره فجميعهم في رموش العين لمساهماتهم العظيمة في تطوير المسرح السوداني مع قائده الفذ الفكي عبد الرحمن ، ولا يمكن لأي واحد من هؤلاء أن ينكر الفضل الذي قدمه له الفكي عبد الرحمن ، ويكفي أن مكتبته العامرة كانت مفتوحة لهم جميعاّ بل أن نصفها موجود لديهم حتى اليوم ولم يسأل مطلقاّ بإعادة كتاب إليه ، كان فقط يقول للمستعير " أقرأ ودع غيرك يقرأ "
تعدت إنجازات الفكي عبدالرحمن المسرح القومي لينشيء مسارح الأقاليم لتصبح رافدا هاما في مسيرة المسرح السوداني وأفكاره النيرة التي أوجدت معهد الموسيقى والمسرح وفرقة الفنون الشعبية وفرقة الأكروبات السودانية والفرق المسرحية الكثيرة التي نشأت تباعاّ وقدمت إنتاجاّ مسرحياّ يتسم بالجدية والتنوع والإبداع .
الفكي عبدالرحمن من بعد هذا وذاك صاحب برنامج الأطفال بالإذاعة السودانية لسنين طويلة حفر اسمه في ذاكرة أطفال السودان رجال اليوم ومستقبل السودان ، كنت من أقرب المقربين للفكي عبد الرحمن فهو " الخال " وهو الأستاذ وكان الصديق أيضاّ فقد كان على درجة عالية من الفهم والثقافة والتجارب ويعرف كيف يعامل جميع الناس ولذا أحبه كل الناس وفي يوم رحيله عم الحزن ليس السودان فحسب بل كل المدن والعواصم العربية نعته بحزن عميق لمآثره الكثيرة ، وأصدقكم القول أني مازلت حزينا لفراقه قبل أن ألتقيه بعد غربة طالت وطوت معها صفحات من أروع الصفحات التي عشناها مع أمثال الفكي عبد الرحمن والذي يستحق أن يخلد اسمه في ذاكرة الشعب السوداني مثله مثل أولائك العباقرة الذين بنوا سودان الأمس وسودان اليوم وسودان الغد، ولي عودة .