الجمعة، 5 أبريل 2013

مرحبا أيها الموت الجميل

مرحبا أيها الموت الجميل !


بقلم ::بدرالدين حسن علي



قبل أسبوعين تقريبا بدأ الثلج يتساقط في تورنتو ، ودخل البعض في بياتهم الشتوي حتى إشعار آخر ما عدا حفنة من أصحاب السيارات الفاخرة ، جاء متأخرا هذا العام على غير العادة ، وقبل تساقطه هذا تساقطت كل أوراق الأشجار التي كانت مفرهدة مزهوة بلونها الأخضر تعطي للحياة معنى ولتحقيق الأماني أمل ، الآن بدأ اللون الأبيض يحل محل الأخضر .

عاندت نفسي وجلست في البرد القارس أعود بالذاكرة إلى سنين خلت ، تعمدت أن تكون العودة بلا ترتيب زمني ، وإنما قفزات فوق العقود والحقب مشحونا بذاكرة متعبة من الجلد والقهر والمنفى ، مر شريط سينمائي طويل يعرض صوراّ باهتة لوجوه دخلت التاريخ ولم تخرج ، ووجوه خرجت من التاريخ قبل أن تدخل ، ووجوه منعت من الدخول وأخرى منعت من الخروج وبعضها تراوح بين الدخول والخروج ونشبت معركة بين كل الوجوه واجتاحتني عاصفة من الهوس ورغبة مكتومة في الإنتحار ورغبة اخرى في المقاومة، الموقف كان صعباّ .

بدا لي أن الزمن في السودان يحفل بالموت وتقل فيه الحياة وأننا مجموعة كبيرة من المنافقين والكذابين أحياء ولكننا موتى ونعيش على صدقات أحياء ولكنهم موتى ، وليس أمامنا سوى أن نرفع شعارات هي في النهاية جلد الذات ، نحن بصراحة نجيد صناعة الموت ولنا سجل طويل غير مسبوق في موت المبدعين المبكر .... من التجاني يوسف البشير ومعاوية محمد نور والمجذوب ومحمد عمر بشير وصلاح أحمد إبراهيم وخالد الكد وليلى المغربي وخوجلي عثمان ومحمد رضا حسين وأحمد عاطف وأحمد قباني وجيلي عبدالرحمن وأحمد الجابري ورمضان زايد وعبد العظيم حركة وأحمد المصطفى وعبد العزيز العميري ومصطفى سيداحمد وحورية حاكم وعلي عبدالقيوم وعمر الدوش ونادر خضر وزيدان إبراهيم والأمين عبد الغفار ومحمد وردي ومحمد سالم حميد ومحمد إبراهيم نقد و..و.. قائمة طويلة من الموت ليس بسبب الكبر والشيخوخة والزهايمر

وإنما بسبب القهر والحرقة على البلد !!!!!!!

ويا لحظ السودان يموت الشعراء والأدباء والفنانون وكبار المثقفين مبكراّ ويعمر السياسيون يرأسون أحزابنا ويحكمون بلادنا عقود وعقود وما يزالوا يحلمون ليس بحسن الخاتمة وإنما بصفقة مال تزيدهم وجاهة ،وآخرون يسقطون من طائرة وهم أحياء ، يصابون بمرض السرطان وهم ما زالوا أحياء !!

وها هم مفكرونا وكتابنا وشعراؤنا وطليعة مثقفينا في بلاد الغربة يغسلون الصحون في لندن ، ويكنسون الشوارع في باريس ، ويجمعون القمامة في واشنطون ، وتطحنهم مصانع الأسمنت و البلاستيك في كندا ومن حالفه الحظ يعيش مطعونا في الشرف والكبرياء بدنانير ودراهم النفط .... يا لتعاسة مهيرة والخليل وعبداللطيف وكل الأسماء الخالدة في تاريخ السودان القديم والحديث .

منفيون في كل بقاع العالم ومن خيرة أبناء الوطن الملازم عزاؤهم الوحيد حفظ ماء الوجه وما تبقى من كرامة شخصية فهم على الأقل يعيشون حياة خالية من الخوف مثلي تماماّ ولكنها حياة خير منها الموت ... يا لعجبي !!!!!

اليوم المثقف أو الشاعر أو الكاتب أو المفكر أو المخرج المسرحي أو المخرج السينمائي أو الصحفي يأتي اسمه في ذيل القائمة حتى لو كان عضواّ في حزب المؤتمر الوطني الحاكم ، وكما يقولون وكما تردنا الأنباء فهو إما خائف أو نصف جائع أو منافق ...... وكما قال وكما كتب أكثر من مناضل يحب السودان ويعشقه أن السودان لم يعد فيه من مجال لكي يؤدي المثقف دوره الوظيفي في المجتمع كحامل رؤية أو أداة تجديد وتطوير وتعليم وتثقيف وتغيير ونقد .



المثقف في السودان - وأرجو أن تنتبهوا لهذا - قد يسمح له بأن يشتغل في الطين ولكن - كما قال أحد المفكرين - ليس لكي يصنع تمثالاّ بل لكي يوسخ أصابعه وملابسه ... وقد يسمح له بإخراج فيلم سينمائي فيخرج شيئاّ من قفاه !!!!!

أنظر إلى سياسيينا فأتذكر نهرو ومانديلا ونكروما وديجول ولا أتذكر من قادة وطني إلا من مات مقتولاّ أو شهيدا قبل أن يكمل رسالته ، أنظر إلى وطني بعد 1956 فلا أرى سوى عبود وهو عسكري ونميري وهو عسكري والبشير وهو عسكري ،والميرغني والصادق والترابي فيرجع بصري خاسئا .



أصبحت لا أفكر في العودة إلى الوطن ودائما ما أتساءل أيهما أفضل : السودان أم كندا ؟؟ الآن أنا آمن وآكل وأشرب وأرقص وأضحك وأغني وأتمسرح أيضا ، بينما أبناء وطني لا يحس معظمهم بالأمان ويعاني معظمهم من الجوع والمرض ، لا أحد في هذا المنفى " المقرف " البعيد يرغب في العيش فيه ، لا نرغب يا أهل بلدي أن نقف طوال شتاء أريزونا وتورنتو في محطات البنزين أو نشق ليالي المدن لتوصيل أطباق البيتزا !!!! نريد أن نعود إلى الوطن لتوصيل أطباق الكسرة واللقيمات لكل النساء السودانيات .

تقول المخرجة السينمائية تغريد السنهوري :

عشت بعيداً عن السودان ولكنى لم أنقطع عنه فقد كان معى عبر والدى ووالدتى والأهل الذين ظلوا يرسموا لى الواقع الوردى الجميل عن السودان وحياة الناس هناك و...و...ثم بدأت أستكشف وأعرف عن السودان وأكتشفت أن العالم الوردى الجميل كان مبالغاً فيه وأن هناك حروب ومآسى وآلام وهناك قصص ومشاعر إنسانية أكبر من أن تحكى وفى السودان هناك الكثير مما يجب أن يحكى عنه وبالفعل خضت هذه التجربة فى عام 2004 وخلالها أخرجت فيلم ( كل شئ عن دارفور ) والذى حقق نجاحاً فنياً كبيراً بعدها أخرجت فيلماً وثائقياً لقناة الجزيرة بعنوان (أطفال المايقوما ) ثم فيلم (أم مجهولة ) بعدها قررت أن أحكى قصة الوطن الكبير فى رحلته الى الإنفصال هذا الحدث التاريخى الذى سيغير من شكل وخارطة السودان الحديث.

" الصدفة وحدها هى التى منعتنى من دراسة الإخراج السينمائي ، وقد درست اللغة الإنكليزية وعلم إجتماع ببريطانيا ، ولكن لدى روح الإبداع وأنا مؤمنة تماماً بضرورة صقل الموهبة والعلم ، وفى خططى المستقبلية دراسة الإخراج والدخول الى هذا العالم من باب العلم ، والذى دفعنى الى عالم الإخراج هو أنى ايضا من هذا البلد وأنتمى اليه فما الغريب فى أن أحكى عنه ؟ أنا من هذا النسيج الإنسانى الدى يتفاعل مع الأحداث من حوله ويرويها بالكاميرا والصوت ، فى بعض الأحيان تجد أن هناك حقوقاً تنتزع منك ، وأنت فى بلدك ينتزع منك حق المواطنه وانت تريد أن تحكى عن هذا ، أنا عشت ببريطانيا ولدى فيها حق المواطنه فهو بلدى الذى عشت فيه طفولتى واحبه تماما كما أحب السودان ، ولكنى كنت أحس بأنى أقلية وعلى الرغم من أن بريطانيا تحترم حقوق الأقلية وهناك قانون يعطى الأقلية حقوقهم ولكن بريطانيا هى وطنى الثانى ومن هنا بدأ إحساسى بمعنى أن تفقد وطنا وبدأ يتشكل فى داخلى إحساس الفنان الدى يتأثر بالأحداث من حوله ويجد رغبة قوية فى روايتها وتصويرها."



من البكري وأحمد شرفي

من البكري وأحمد شرفي إلى بيكرينج


بقلم : بدرالدين حسن علي



في السودان وتحديدا في محافظة الخرطوم " أم درمان والخرطوم والخرطوم بحري " هناك مجموعة من المقابر الشهيرة مثل : البكري – أحمد شرفي – فاروق –الصبابي - حمد النيل – حمد النتيفة – الصحافة ، طبعا إلى جانب مقابر أخرى مثل السلمة – الجريف غرب – الرميلة ، ومقابر المحافظات الأخرى ، إنزعج صديقي إنزعاجا شديدا عندما سألته ذات مرة عن أحوال المقابرفي السودان ، إذ قال لي : شنو يا بدرالدين خلاص إنت مودع ؟ ضحكت وقلت له : أبدا لأنه عندنا هنا في تورنتو مقبرة شهيرة جدا في منطقة تسمى " بيكرينج " وارينا فيها الثرى أسماء مرموقة لا تختلف كثيرا عن أولئك الرائعين الذين جمعتهم مقابر فاروق ، ولكني أسألك لأن ذكرياتي عن مقابر البكري مثلا مؤلمة ومريرة نظرا لفقرها وعدم الإهتمام بها ، قال لي " أنت قلتها تلك ذكريات " ألم تسمع الفنان عثمان الشفيع يغني الذكريات .

وأقول ذكريات أليمة ومرة لأني شاهدت معظم المقابر أعلاه يجمعها الإهمال الشديد ، وكان آباؤنا وأجدادنا وحتى أشقاؤنا الكبار عندما يريدون تخويفنا ومعاقبتنا يطلبو ن منا أن نقطع مقابر البكري من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق ، وأذكر أن ذلك كان أشد أنواع العقاب ، وكان إذا قابلنا " صرصور " نرتعد ونخاف منه ، وأظن بسبب هذا الإهمال للمقابر في الكثير من البلدان العربية تحولت إلى أوكار للجريمة وبيع المخدرات والدعارة ، وفي معظم زياراتي لهذه الدول كنت حريصا على زيارة المقابر ، لأني كنت على قناعة أنها الوجه الصادق للدولة ، إلى أن حط بي الرحال في كندا ، وشاءت الظروف أن تقودني قدماي إلى الكثير من مقابر كندا ، فشاهدت في مقابر المسيحيين العجب ، أشجار وورود وأزاهر ومياه تجري من تحتها الأنهار ، يعني بصراحة مقابر تتمنى أن تجد فيها سكنا ، طبعا هذا هو التكريم الحقيقي للموتى ، لأن إكرام الموتى حسب فهمي المتواضع يتم في شقين – خدمي ويتمثل في نظافة المقابر وإنارتها وتسويرها وتشجيرها وتزهيرها وشق الطرق فيها وتوصيل المياه إليها ..إلخ ، والشق الثاني حسب فهمنا للإسلام فيتمثل في تجهيز الميت من حيث الغسل والتكفين .

وعلى سبيل المثال وأثناء تواجدي في الكويت زرت مقبرة على الحدود الإيرانية العراقية ،وبالطبع أخفينا هذا الأمر عن أقرب الأقربين فوجدت أن الإيرانيين صراحة أحسنوا لموتاهم ، فالمقبرة تكسوها الأشجار الظليلة والزهور ، وكل قبر مكتوب عليه تاريخ الوفاة بطريقة جميلة جدا وأهالي المتوفين يجلسون أمام القبور باحترام شديد لدرجة أن سائقي " رحيم الإيراني " قال لي : الواحد يتمنى الموت والدفن في هذه المقبرة !

لن أحدثكم عن المقابر الكندية التي ساقتني قدماي إليها خاصة للمسيحيين وآخرها المقبرة التي تم فيها دفن والدة الشقيق العزيز نادر إبراهيم " حلة " ، السائق قال لي بعد إنتهاء الدفن : يلا يا بدرالدين ، قلت له ما

راجع ، قال لي ولماذا ؟ قلت له : لأنو ده أحب مكان وقبل أن أكمل أدار عجلة السيارة وتحرك فأعفاني من تكملة الأغنية !



في يوم من أيام الهدوء النادرة في تورنتو جالت بخاطري عقد مقارنة بين مقابرنا ومقابر كندا وتحديدا مقابر البكري وأحمد شرفي ومقابر بيكيرينج ، ففي هذه الأخيرة أحس أن الميت حي أما في مقابر البكري وأحمد شرفي أحس أن الميت رغم مكانته " فطيس " ، وتخيلت في اليقظة أني أحد أموات مقابر البكري فشاهدت أحدهم يتبول في المقبرة فانتهى خيال اليقظة بالموت ثانية .



المقابر عندنا لا تجد الاحترام والتقدير والتقديس، انظروا إلى مقابر المسيحيين في أية منطقة من المناطق، لا أظن إن أحداً سوف يتجرأ لممارسة أي نوع من أنواع الممارسات السيئة بداخلها أو خارج أسوارها، الإنسان عندهم حي وميت يجد الاحترام والتقدير والزيارة، أما مقابر المسلمين الإنسان حي وميت لا يجد التقدير والاحترام.

المقابر بها معظم الأهل المتوفين من الأسرة ، الأب والأم، والأخ، والأخت، والعم، والخال، والصديق، لذلك ينبغي أن تجد هذه المقابر الاحترام والتقدير.



قال لي صديقي : إن عددا من طالبات الجامعة الإسلامية عندما يريدن الخروج من الجامعة أثناء المساء ، يصعب عليهن قطع المقابر إلى الجهة الأخرى (شارع الوادي) ، والمقابر مظلمة خوفاً من تربص أصحاب النفوس المريضة ، فتخيلوا بين مقابر تحس فيها بالأمان ومقابر تحس فيها أنك مفقود مفقود.

حكاية :

واحد أخونا مات ، عمرو ما صلى ، قام الجماعة شالوه ووصلوا باب مسجد مقابر البكري عشان يصلوا عليهو وبعدين يدفنوه ، لكن واجهتم مشكلة ، كل ما يجوا يدخلوا الجنازة تلف شمال ويمين ، قام واحد وسوس في أضان الميت ، وبعدها على طول الجنازة دخلت المسجد ، الجماعة استغربوا ، قال ليهم أصلي قلت ليهو ياخي انت ما حتصلي هم الحيصلوا عليك !!!



رحل والد الأدب الإفريقي الحديث

رحل والد الأدب الإفريقي الحديث


شنوا أشيبي لؤلؤة إفريقيا وفاكتها التي يتمناها كل إنسان

بقلم : بدرالدين حسن علي

أتذكر الان بكثير جدا من الإمتنان والتقدير والإحترام د. علي عبدالله عباس أستاذ الأدب الإنكليزي بجامعة الخرطوم عندما لفت إنتباهنا إلى الأدب المسرحي الإفريقي ونحن طلاب بمعهد الموسيقى والمسرح ، كان د. علي على درجة عالية من الثقافة والفهم والوعي ، كان يتعامل معنا مثل أصدقائه تماما ، ويبدي إستعداده لمعاونتنا في فهم الأدب الإفريقي باللغتين الإنكليزية والعربية ، وهو الذي فتح الباب الموارب لنطارد كتاب إفريقيا أينما كانوا ، هكذا بدأت رحلتنا مع وول شوينكا النيجيري الحائز على جائزة نوبل ، وأشينوا أشيبي وكريس أباني وشيماماندا نقوزي .

لا أستطيع الحديث عن الراحل شنوا أشيبي دون ذكر وول شوينكا الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1986 ، ومن أهم نشاطاته التي أذكرها عضويته في بعثة التحقيق التي ذهبت لدارفور ولم تسمح حكومة السودان بدخول أراضيها ، وكذلك زيارته لفلسطين المحتلة وإدانته لمجازر الكيان الإسرائيلي .

شوينكا قدمنا له بالمسرح القومي بأم درمان في السبعينات مسرحية " أهل المستنقع " People Of The Swamp إخراج مهندس الديكور الفذ صلاح تركاب بمشاركة الفنان القدير إبراهيم أفريكانو ، والتي أحدثت ضجة في عالم الأدب والمسرح في السودان لعدة سنوات ، وله أيضا حصاد كونغي وأهل المستنقع والأسد والجوهرة .

أما شينوا أشيبي 1930 – 2013 أستطيع القول أنه يمثل لي لؤلؤة إفريقيا وفاكتها التي يتمناها كل إنسان ، فيرجع الفضل في معرفته ل د. على عبداله عباس وخاصة روايته الشهيرة " الأشياء تتداعى " " Things Fall Apart، رحل بهدوء الأسبوع الماضي في مدينة بوسطن الأمريكية حيث يعيش منذ فترة ، كان صوتا مهما في الرواية الإفريقية في مرحلة ما بعد الإستعمار ، وذهب بعضهم ليصفه بالوالد الحقيقي للرواية الإفريقية الناطقة بالإنكليزية ، وعلى الرغم من أهميته في السرد الروائي فلم يكتب سوى خمس روايات وأعمال نثرية أخرى أشيبي يشبه لي الطيب صالح ، وإذا كنت قد قرأت موسم الهجرة للشمال نحو خمس مرات فقد قرأت رواية " الأشياء تتداعى "خمس مرات لجمال وروعة الروايتين .

فإلى جانب الأشياء تتداعى كتب أشيبي NO longer at ease عام 1960 حيث استكشف نضال جيله مرحلة ما بعد الإستعمار ، وكتب Arrow of God " سهم الإله " ، وكتب Aman of People رجل الشعب التي إمتازت بشيء من المعاصرة وكادت أن تقتل أشيبي .

الأشياء تتداعى

الأشياء تتداعى ترجمت إلى 50 لغة تماما مثلما حدث مع موسم الهجرة إلى الشمال ، ونقدها أشهر النقاد حول العالم تماما مثلما حدث مع موسم الهجرة إلى الشمال ، وبيعت منها أكثر من 8 ملايين نسخة ، تماما مثلما حدث مع موسم الهجرة إلى الشمال ، وهي عبارة عن سرد للتراث الشعبي النيجيري المليء بحكايا الأجداد والأمهات والآباء تماما مثلما حدث في موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين ، وكان أشيبي يجلس ويسمعها من كبار السن كما ذكر في لقاءاته الإعلامية الكثيرة ، بالإضافة إلى أن د. علي عبدالله عباس قال في تحليله الرصين للرواية أنها جمعت كل ألوان الحياة الإجتماعية والعادات كرمي الأطفال التوأم في الغابة ، حيث يعتقدون بأن التوأم ملعون ، والتقاليد المتعددة والسحر والخوف من الغابة ، وتحدثت الرواية عن الحالة الإقتصادية والثقافية والسياسية والدينية حينها في نيجيريا ، وإذا قرأناها اليوم فهي إسقاط طبق الأصل لما يحدث اليوم في السودان ، إنها باختصار شديد ضياع الموروث الثقافي والإجتماعي ، ولو قدر لي إخراج عمل مسرحي اليوم لما ترددت في إختيار الأشياء تتداعى .





الأربعاء، 6 مارس 2013

اعطني قرشا اعطيك مسرحا

                                                               أعطني قرشا أعطيك مسرحا


بقلم : بدرالدين حسن علي

في الخمسينات من القرن الماضي كان أستاذنا ميسرة السراج يقود سيارته يجوب بها شوارع وأحياء أم درمان والخرطوم ويصيح في الميكرفون : أعطني قرشا أعطيك مسرحا ، كانوا يظنونه مجنونا ، وأنا على العكس كنت أعتبره عاقلا جدا ، الراحل المقيم الفكي عبد الرحمن كان يقول " ميسرة مامجنون وأنا بضيف : أعطني مسرحا أعطيك شعبا ، عندما كبرت ودخلت عالم المسرح والسينما عرفت ما كان يعنيه ميسرة وما كان يعنيه الفكي عبد الرحمن .

جورج كلوني " 50 عاما " النجم السينمائي الأمريكي المشهور وغيره كثيرون في المسرح والقصة والرواية والشعر والتشكيل والنحت والموسيقى يبدون إهتماما كبيرا بالسودان ، بالطبع لكل منهم أهدافه وأجندته ، ولكل منهم ثقافته وخلفيته التاريخية والإجتماعية والسياسية أيضا التي ينطلق منها ، ودون أن نغوص في بعض التفاصيل مع أو ضد نطرح السؤال التالي : لماذا كل هذا الإهتمام بالسودان ؟

إنه الفن . وفي حالة كلوني إنها السينما هذا البعبع المخيف لكل الأنظمة الشمولية الديكتاتورية غير الديموقراطية ، إنه المسرح أيضا في دفاعه المستميت من أجل الحرية والسلام القائم على العدل والمساواة ، ومن هنا فإن أنظمة البغي والطغاة لا ترتاح لا للسينما ولا للمسرح ، وهي العدو رغم واحد للكتاب وللثقافة تماما كما شاعت المقولة الهتلرية" عندما أسمع كلمة ثقافة أتحسس مسدسي " وتظل تحاربهما بالبندقية والتعذيب وزج فناني السينما والمسرح في المعتقلات والسجون وتلك هي الضريبة التي دفعها المسرح ودفعتها السينما عبر تاريخ طويل من البطولة والملاحم العظيمة التي سجلها التاريخ منذ قديم الزمن . وجميع كتاب المسرح الثوري كانوا مغضوبا عليهم من السلطة وعاشوا إغترابا قسريا : جان جينيه – بيتر فايس – برتولد بريخت والقائمة تطول ، وأيضا جميع مخرجي السينما الجادة عاشوا خلف القضبان ، لأن المسرح ليس إضحاكا ولا السينما فرجة وقرقعة تسالي ونوم في العسل .

يا سادتي عندما أختار الإنسان التعبير عن ذاته أو شعبه عن طريق المسرح أو السينما لم يكن إختيارا إعتباطيا أو من أجل الشهرة والمال والسلطة ، كان إختيارا واعيا لضرورة الوقوف مع الحق مهما كان الثمن ، ولذا عندما نقول مسرح جاد أو سينما جادة فإننا لا نبيع طماطم بايرة أو بيضا فاسدا ، وإنما نشهر أسلحتنا البسيطة ضد الطغاة ، الذين ظنوا أن الأمر قد دان لهم وأنهم قبضوا على السلطة بيد من حديد بينما هم نمور من ورق

اختتام مهرجان المسرح العربي

إختتام مهرجان المسرح العربي


كتب : : بدرالدين حسن علي

أختتم الأسبوع الماضي في القاهرة مهرجان المسرح العربي في دورته ال 30 حيث أقام طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية في ختام فعالياته حفلا كبيرا تم فيه تكريم خريجي دفعة ، 1995 وحضر الحفل الأساتذة : المخرج والسيناريست الكبير خالد جلال والفنان المسرحي ماجد الكدواني ورائد البحيري وخالد حمزاوي والفنانة سميرة أحمد وأشرف زكي وإسماعيل عبد الحافظ.

وبحسب وكالات الأنباء فقد جرى إهتمام كبير بختام المهرجان والمسرحيات التي عرضت فيه في هذه الفترة التي تمر بها مصر وتمر بها الفنون المصرية وخاصةالمسرح والسينما ، وذكرت الأنباء أن الحفل بدأ بالوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء الثورة المصرية ، كما عرضت مسرحية بعنوان " لقاء مع الرئيس " بطولة الفنانة راندا البحيري وإخراج سامح بسيوني وشارك في العمل المسرحي شباب طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية ، أما المسرحية فتدور حول الهجوم الذي يتعرض له الفن والكثير من الفنانين على يد التيارات المتشددة .



الملفت للإنتباه أن القائمين على المهرجان سموا دورتهم هذه بإسم الراحل المقيم الفنان المسرحي الكبير " زكي طليمات " .

الكثيرون منا سمعوا وشاهدوا زكي طليمات ويوسف وهبي ونجيب الريحاني وبقية رواد المسرح والسينما المصرية العربية ، زكي طليمات ممثل مسرحى وسينمائي ومخرج وصحفى حصل على شهادة الباكلوريا ثم قرر إستكمال الدراسه فى فرنسا حيث درس التمثيل وفن الإلقاء والإخراج المسرحى ثم عاد الى بلادة فى عام 1929 وعمل على إنشاء أول معهد للتمثيل فى مصر عام 1930 وتخرج على يدة الكثير من أهم الممثلين فى السينما والمسرح وقد أسس الفرقه القوميه للمسرح عام 1935 وأسس المسرح المدرسى والمسرح الحديث وكان اول من اخرج أوبريت للفنون الشعبيه ، سافر للعمل بالكويت لسنوات طويله حيث أسس أيضا أول معهد للتمثيل ، وفي الكويت إلتقيته وأجريت معه حوارا مطولا تحدث فيه عن مسيرته الفنية وأهم المحطات في تجربته المسرحية ، و أصدر العديد من الكتب عن فن التمثيل كما حصل على جائزة التفوق فى فن الإخراج المسرحى .



يوسف شاهين









                                              يوسف شاهين مخرج الروائع السينمائية "1"

بقلم بدرالدين حسن علي

ظللت لعدة سنوات أفكر جديا في كتابة دراسة عن المخرج الكبير الراحل المقيم يوسف شاهين ، وذلك لعدة إعتبارات ، أولا لأنه مخرج رائع ، ثانيا لأن جميع أفلامه تستحق الدراسة وأخيرا لآنني شاهدت جميع أفلامه .



وصلت مدرسة السينما المصرية إلى ذروتها في الخمسينيات، وتمثل ذلك في مسابقات مهرجان كان أعوام 1954 و1955 و1956 على التوالي حيث تم عرض أربعة من روائع تلك المدرسة: "الوحش" إخراج أبوسيف و"صراع في الوادي" إخراج شاهين عام 1954، و"حياة أو موت" إخراج كمال الشيخ (1918-2004) عام 1955، ثم "شباب امرأة" إخراج أبوسيف 1956.



كانت هذه الأفلام تمثل تياراً جديداً في يف إلى قصة حقيقية عن صعود وسقوط عصابة إجرامية في صعيد مصر، وفي "صراع في الوادي" يتم إعدام أول بريء في السينما المصرية، وفي "حياة أو موت" أول فيلم يصور في شوارع القاهرة، وفي "شباب امرأة" اقتحام لبعض المسكوت عنه في التعبير عن العلاقات الجنسية، رغم نهايته الأخلاقية المحافظة.

وعندما عادت الأفلام المصرية إلى مسابقات مهرجان كان عام 1964 كانت مدرسة السينما المصرية قد انتهت، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ السينما المصرية، وعرض من روائع هذه الصفحة الجديدة "الليلة الأخيرة" إخراج كمال الشيخ عام 1964،

مدرسة السينما المصرية يضاهي الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، ففي "الوحش" استند أبوس















كانت هذه الأفلام تمثل تياراً جديداً في يف إلى قصة حقيقية عن صعود وسقوط عصابة إجرامية في صعيد مصر، وفي "صراع في الوادي" يتم إعدام أول بريء في السينما المصرية، وفي "حياة أو موت" أول فيلم يصور في شوارع القاهرة، وفي "شباب امرأة" اقتحام لبعض المسكوت عنه في التعبير عن العلاقات الجنسية، رغم نهايته الأخلاقية المحافظة.

وعندما عادت الأفلام المصرية إلى مسابقات مهرجان كان عام 1964 كانت مدرسة السينما المصرية قد انتهت، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ السينما المصرية، وعرض من روائع هذه الصفحة الجديدة "الليلة الأخيرة" إخراج كمال الشيخ عام 1964،

مدرسة السينما المصرية يضاهي الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، ففي "الوحش" استند أبوس

و"الحرام" إخراج هنري بركات (1914-1997) عام 1965، ثم "الأرض" إخراج شاهين عام 1970، وكان علامة وصول الواقعية في السينما المصرية إلى ذروتها، وتحفة كلاسيكية بكل المقاييس..



"الوداع يا بونابرت" إخراج شاهين





ومرة أخرى من 1971 إلى 1984 انقطعت الأفلام المصرية عن مهرجان كان، ولم يعرض سوى "العصفور" إخراج شاهين في "نصف شهر المخرجين" عام 1973، وكان ممنوعاً من العرض في مصر (عرض 1975). ولكن الانقطاع هذه المرة لم يكن لقطع العلاقات بين مصر وفرنسا كما حدث من 1957 إلى 1963، وإنما لأن السينما المصرية بعد تأميمها ونهاية مدرستها المميزة عام 1963، لم تعد تواكب التطور الكبير في فن السينما في العالم الذي بدأ في نفس هذه الفترة. صحيح أن سبعينيات السينما المصرية شهدت محاولات هامة للعودة إلى تحرر المدرسة القديمة، ومحاولة اللحاق بتطور السينما، ولكن العودة إلى مهرجان كان كانت عام 1985 مع "الوداع يا بونابرت" إخراج شاهين.









"

















يمكن اعتبار السنوات العشرين من 1985 إلى 2004 مرحلة شاهين بامتياز، والتي توجت بحصوله على الجائزة التذكارية لليوبيل الذهبي للمهرجان عام 1997 عن مجموع أعماله. ففي هذه المرحلة عرضت عشرة أفلام من الـ22 فيلماً مصرياً التي عرضت في المهرجان منها سبعة من إخراج شاهين، هي إلى جانب "الوداع يا بونابرت" فيلم "المصير" في المسابقة عام 1997، وفيلمين في "نظرة خاصة": "الآخر" 1999، و"إسكندرية..نيويورك" 2004، وإلى جانب "العصفور" فيلمين آخرين في "نصف شهر المخرجين": "اليوم السادس" 1987، و"إسكندرية كمان وكمان" 1990، وكل هذه الأفلام من الإنتاج المصري الفرنسي المشترك ماعدا "العصفور" المشترك مع الجزائر. وفي هذه الأفلام انتزع شاهين حريته من خلال الإنتاج المشترك، وطور عالمه الفني الخاص، وعبر عن القضايا الكبرى في عصره سواء في مصر أم العالم، واستطاع أن يكون أكبر رموز السينما المصرية، ومن كبار مخرجي السينما العالمية.

.





















































































يوسف شاهين


                   يوسف شاهين مخرج الروائع السينمائية "1"

بقلم بدرالدين حسن علي

ظللت لعدة سنوات أفكر جديا في كتابة دراسة عن المخرج الكبير الراحل المقيم يوسف شاهين ، وذلك لعدة إعتبارات ، أولا لأنه مخرج رائع ، ثانيا لأن جميع أفلامه تستحق الدراسة وأخيرا لآنني شاهدت جميع أفلامه .



وصلت مدرسة السينما المصرية إلى ذروتها في الخمسينيات، وتمثل ذلك في مسابقات مهرجان كان أعوام 1954 و1955 و1956 على التوالي حيث تم عرض أربعة من روائع تلك المدرسة: "الوحش" إخراج أبوسيف و"صراع في الوادي" إخراج شاهين عام 1954، و"حياة أو موت" إخراج كمال الشيخ (1918-2004) عام 1955، ثم "شباب امرأة" إخراج أبوسيف 1956.



كانت هذه الأفلام تمثل تياراً جديداً في يف إلى قصة حقيقية عن صعود وسقوط عصابة إجرامية في صعيد مصر، وفي "صراع في الوادي" يتم إعدام أول بريء في السينما المصرية، وفي "حياة أو موت" أول فيلم يصور في شوارع القاهرة، وفي "شباب امرأة" اقتحام لبعض المسكوت عنه في التعبير عن العلاقات الجنسية، رغم نهايته الأخلاقية المحافظة.

وعندما عادت الأفلام المصرية إلى مسابقات مهرجان كان عام 1964 كانت مدرسة السينما المصرية قد انتهت، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ السينما المصرية، وعرض من روائع هذه الصفحة الجديدة "الليلة الأخيرة" إخراج كمال الشيخ عام 1964،

مدرسة السينما المصرية يضاهي الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، ففي "الوحش" استند أبوس















كانت هذه الأفلام تمثل تياراً جديداً في يف إلى قصة حقيقية عن صعود وسقوط عصابة إجرامية في صعيد مصر، وفي "صراع في الوادي" يتم إعدام أول بريء في السينما المصرية، وفي "حياة أو موت" أول فيلم يصور في شوارع القاهرة، وفي "شباب امرأة" اقتحام لبعض المسكوت عنه في التعبير عن العلاقات الجنسية، رغم نهايته الأخلاقية المحافظة.

وعندما عادت الأفلام المصرية إلى مسابقات مهرجان كان عام 1964 كانت مدرسة السينما المصرية قد انتهت، وبدأت صفحة جديدة في تاريخ السينما المصرية، وعرض من روائع هذه الصفحة الجديدة "الليلة الأخيرة" إخراج كمال الشيخ عام 1964،

مدرسة السينما المصرية يضاهي الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية، ففي "الوحش" استند أبوس

و"الحرام" إخراج هنري بركات (1914-1997) عام 1965، ثم "الأرض" إخراج شاهين عام 1970، وكان علامة وصول الواقعية في السينما المصرية إلى ذروتها، وتحفة كلاسيكية بكل المقاييس..



"الوداع يا بونابرت" إخراج شاهين





ومرة أخرى من 1971 إلى 1984 انقطعت الأفلام المصرية عن مهرجان كان، ولم يعرض سوى "العصفور" إخراج شاهين في "نصف شهر المخرجين" عام 1973، وكان ممنوعاً من العرض في مصر (عرض 1975). ولكن الانقطاع هذه المرة لم يكن لقطع العلاقات بين مصر وفرنسا كما حدث من 1957 إلى 1963، وإنما لأن السينما المصرية بعد تأميمها ونهاية مدرستها المميزة عام 1963، لم تعد تواكب التطور الكبير في فن السينما في العالم الذي بدأ في نفس هذه الفترة. صحيح أن سبعينيات السينما المصرية شهدت محاولات هامة للعودة إلى تحرر المدرسة القديمة، ومحاولة اللحاق بتطور السينما، ولكن العودة إلى مهرجان كان كانت عام 1985 مع "الوداع يا بونابرت" إخراج شاهين.









"

















يمكن اعتبار السنوات العشرين من 1985 إلى 2004 مرحلة شاهين بامتياز، والتي توجت بحصوله على الجائزة التذكارية لليوبيل الذهبي للمهرجان عام 1997 عن مجموع أعماله. ففي هذه المرحلة عرضت عشرة أفلام من الـ22 فيلماً مصرياً التي عرضت في المهرجان منها سبعة من إخراج شاهين، هي إلى جانب "الوداع يا بونابرت" فيلم "المصير" في المسابقة عام 1997، وفيلمين في "نظرة خاصة": "الآخر" 1999، و"إسكندرية..نيويورك" 2004، وإلى جانب "العصفور" فيلمين آخرين في "نصف شهر المخرجين": "اليوم السادس" 1987، و"إسكندرية كمان وكمان" 1990، وكل هذه الأفلام من الإنتاج المصري الفرنسي المشترك ماعدا "العصفور" المشترك مع الجزائر. وفي هذه الأفلام انتزع شاهين حريته من خلال الإنتاج المشترك، وطور عالمه الفني الخاص، وعبر عن القضايا الكبرى في عصره سواء في مصر أم العالم، واستطاع أن يكون أكبر رموز السينما المصرية، ومن كبار مخرجي السينما العالمية.

.